رئيس التحرير
عصام كامل

آبي أحمد يلعب بالنار

يقينى أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد يدفع مصر والسودان دفعا إلى الحرب وأنه لن يوقع على اتفاق ملزم يضمن حقوق دولتى المصب فى مياه النيل، وسيبدأ عملية الملء الثانى لسد النهضة -حتى لو بشكل جزئى- منفرد، طمعا فى إشعال صراع ينقذه ونظامه من كوارث سياسية واقتصادية تغرق البلاد وتهدد بقاءه فى السلطة.


والمتابع لتطورات الأحداث داخل إثيوبيا يستطيع أن يكتشف وبسهولة، أن آبى أحمد بدأ منذ فترة فى تصدير وهم للإثيوبيين بوجود عدو خفى يهدد استقرار البلاد ويقف ضد كل عمليات التنمية بها، فى محاولة لكسب الرأى العام الإثيوبى واستعادة شعبيته المتدنية نتيجة للكوارث الاقتصادية والصراعات القبلية والعرقية التي تعج بها البلاد، فى الوقت الذى ستشهد فيه البلاد انتخابات برلمانية فى الشهر القادم، قد تعصف بمستقبله السياسى.

تطهير عرقي
ويدخل آبى أحمد الانتخابات التى من المفترض إجراؤها الشهر القادم، وسط اتهامات دولية تطارده بالقيام بعملية تطهير عرقي ضد المدنيين فى إقليم تيجراي وخلق عداوات مع عديد من القوميات الإثيوبية، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى وقف مساعدتها لإثيوبيا، فى الوقت الذى قررت فيه أحزاب المعارضة الأبرز فى البلاد "جبهة تحرير أورومو، ومؤتمر الأورومو الفيدرالي" مقاطعة الانتخابات اعتراضا على سياسة الإبادة التي انتهجها رئيس الوزراء فى تيجراي، وضد عدد من العرقيات، وإقصائهم بشكل كامل من المشهد الانتخابى.

فى الوقت تشهد فيه المناطق الحدودية لإثيوبيا اشتباكات ونزاعات حدودية مع السودان حول منطقة "الفشقة" إلى جانب نزاعات في إقليم "بنى شنقول جوميز" الذى تصاعدت فيه المواجهات خلال الأيام الماضية بشكل كبير، وسط إصرار سودانى على استعادته.

ولذا لم يجد رئيس الوزراء الإثيوبي أمامه سوى مصر والسودان ليعلق عليهما كل سياساته الفاشلة، مفضلا إطلاق تصريحات غير مسئولة، واتخاذ مواقف صلبة تتعارض مع كل القوانين الدولية فى قضية سد النهضة تجبر دولتى المصب فى النهاية على الدخول فى حرب مع إثيوبيا تعيد ل آبى أحمد شعبيته المنهارة.

ففي الأسبوع الماضى، أطلق رئيس الوزراء الإثيوبى تصريحا عنتريا أراد به استفزاز دول المنبع، ومغازلة مشاعر الإثيوبيين، مؤكدا عزم بلادة بناء أكثر من 100 سد صغير ومتوسط في مناطق مختلفة من البلاد بحلول عام الميزانية المقبلة، للتوسع في الإنتاج الزراعى وضمان الأمن الغذائى، داعيا الإثيوبيين بجميع أطيافهم للتكاتف لتحقيق هذا الطموح الحاسم، وهو ما اعتبرته الخارجية المصرية دليلا على سوء النية من إثيوبيا وتعاملها مع الأنهار الدولية وكأنها أنهار داخلية تخضع لسيادتها.

تعنت آبي أحمد
وفى خطوة أقرب إلى الكوميديا الساخرة، خرج المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية منذ أيام، مستخفا بعقول الإثيوبيين، وملوحا بوجود عدو خفى زاعما عزم بلاده إنشاء قاعدة عسكرية فى البحر الأحمر تحت زعم أن دول عديدة أبدت اهتمامًا بالسيطرة على المنطقة، على الرغم من أن إثيوبيا لا تمتلك أيه حدود بحرية على البحر الأحمر، ولم يكن لها ذلك على مدار التاريخ، سوى لفترة محدودة فى مطلع القرن الـ 16 عندما منحها البرتغاليون حق السيطرة على ميناء "مصوع" الإريترى، الذى فقدت السيطرة عليه منذ سنوات، بل وقامت بحل قواتها البحرية عقب انفصالها عن "إريتريا" فى عام 1991 وتحولت إلى دولة لا تملك أية سواحل أو شواطئ.

وكعادتها منذ سنوات، زعمت الحكومة الإثيوبية فى الأسبوع الماضى، أن نحو 37 ألف جهاز كمبيوتر فى البلاد قد تعرضوا لهجوم إلكترونى بفيروس يدعى "حرب الهرم الأسود" شنته مجموعة هكر تدعى "الحصان السيبراني" بهدف تعطيل عملية الملء الثانية لسد النهضة، فى سابقة لا تعد المرة الأولى التى تدعى فيها إثيوبيا تعرضها لهجمات سيبرانية، حيث سبق أن ادعت تعرضها لهجمات مماثلة، دون أن تقدم دليلا واحدا على تلك الادعاءات.

خلاصة القول، إن آبى أحمد لن يتخلى عن طموحة فى البقاء فى السلطة، حتى لو كان الثمن الزج بإثيوبيا فى حرب تنقذ شعبيته، وليس هناك دليل على ذلك أقوى من التسجيل الصوتى الذى سربه له موقع "Kello Media" الأمريكى منذ أيام، والذى قال فيه صراحة خلال اجتماع مع قيادات حزبه "الرخاء": "لا يجب أن يتولى غيرى مقاليد الحكم خلال العشر سنوات المقبلة، وانتي أفضل الموت على التخلى عن السلطة، وسأتخذ العديد من الإجراءات بالقوة التي تم إعدادها لذلك الوقت وحان العمل بها، وسيكون هناك إراقة دماء هائلة، بعد أن فضل حزبنا تأجيل الانتخابات التى كان من الصعب تخيل ما سيحدث خلالها إذا لم يتواجد فيروس كورونا وسارت كما كان مقررا فى العام الماضى، إلا أن إجراءها هذه المرة يعد الخيار الأمثل للمحافظة على رئاسة الوزراء بين يدى".

للأسف الواقع يقول إن آبى أحمد سيظل على موقفه المتعنت، وسيظل يطلق تصريحات العنترية المستفزة، وسيضرب بكل القوانين والاتفاقيات الدولية عرض الحائط، ويبدأ منفردا فى الملء الثاني لـ"سد النهضة" حتى لو كان بشكل جزئى، إلى أن يفرض على المنطقة حربا لا يريدها غيره.. وكفى.
الجريدة الرسمية