رئيس التحرير
عصام كامل

رعب يجتاح العالم

تواجه بعض الدول ضعف الإقبال على التلقيح ضد كورونا، بالتضييق على الممتنعين وحرمانهم من السفر ومنع دخولهم الأماكن الترفيهية، لإجبار الشعوب على التطعيم رغم تزايد المخاوف من التأثير الجانبي لتلك اللقاحات، التي لم تسلك دورتها الطبيعية في الاختبارات وصولا إلى الاستخدام الآمن، فضلا عن أنها لا تمنع المرض ولا تشفي منه وتنحصر فائدتها في تخفيف الأعراض عند الإصابة بالفيروس، مثلما أكد مرارا علماء الفيروسات والمناعة في مصر والعالم.


التناقض والشك في اللقاحات أدى إلى تراجع الطلب على التطعيم في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة، ولم تؤد تطمينات منظمة الصحة العالمية عن أهمية التطعيم، إلى تشجيع الممتنعين، لأن المنظمة نفسها أجازت جميع اللقاحات للاستخدام الطارئ فقط مع الالتزام بجميع الإجراءات الوقائية حتى بعد تلقي اللقاح.

قانون نورمبرغ
من هنا أصدرت لجنة تكافؤ فرص العمل في الولايات المتحدة قرارا يسمح للشركات بفرض التطعيم على الموظفين في مكان العمل أو فقدان وظائفهم، فرفع 117 من الموظفين في جهة واحدة قضية ضد صاحب العمل لمنع إجبارهم على التطعيم، واستندوا في القضية على قانون نورمبرغ العائدة جذوره إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية متضمناً "معايير تمنع التجارب على البشر دون موافقتهم"، فضلا عن أن منظمة الصحة العالمية نفسها أوصت بأن التلقيح اختياري ولا يجوز إجبار أحدا عليه.
 تزامن الإجبار على التطعيم في بعض الدول مع رعب وهلع عالمي من تداول تدوينة منسوبة لعالم الفيروسات الفرنسي الحائز "نوبل" لوك مونتانييه، جاء فيها إن "جميع من تلقوا تطعيماً ضد كورونا سيموتون خلال سنتين"، ولإضفاء مصداقية أكثر على التدوينة أرفقت بمقطع فيديو يفيد أن مونتانييه يشرح فيه الأسباب العلمية لتدوينته، لكن جهات عدة نفت صحة التدوينة، وعدم وجود دليل أنها عائدة للعالم الفرنسي، خصوصا أنه يتحدث في الفيديو عن سلالات ومتحورات ولقاحات كورونا بشكل عام، أما ترجمة المقطع فهي عن شيء آخر يتعلق بموت المطعمين لبث الهلع والرعب.

تراجع الإقبال على التطعيم لم يكن مدفوعا فقط بأن اللقاحات مجازة للإستخدام الطارئ، بل بما نجم عنها من مشكلات وتأثيرات جانبية وبعض الوفيات خصوصا بين المشاهير، منها وفاة مذيعة راديو "بي بي سي" ليزا شو (44 عاما)، إثر إصابتها بجلطات ونزيف بعد تلقيها لقاح "استرازينيكا أكسفورد" بأسبوع واحد، وأشارت شهادة الوفاة الصادرة من مستشفى رويال فيكتوريا، إلى أن اللقاح أحد العوامل المحتملة للوفاة، لأنها لم تكن تعاني من أي مشاكل صحية أساسية قبل التطعيم. كما أن رئيس قسم أمراض القلب بمستشفى جابر في الكويت أعلن أنه أجرى اختبار الأجسام المضادة بعد تلقيه اللقاح بثلاثة أشهر فوجدها صفر!!.
 
وكانت كثير من الدول أوقفت هذا اللقاح تحديدا لمن تزيد أعمارهم عن 40 عاما؛ بسبب مخاوف تجلط الدم، وامتدت مخاوف التجلط إلى لقاح "جونسون آند جونسون" بـعد تكرار حالات الإصابة بجلطات بين المطعمين به خصوصا في الولايات المتحدة.

ولم يكن لقاح فايزر بعيدا عن ذلك رغم الترويج بأنه الأفضل، إذ توفي الفنان الكويتي الشاب مشاري البلام، بعد إصابته بالفيروس رغم أنه تلقى اللقاح قبل الإصابة، فيما حذرت زميلته فاطمة الصفي، الجمهور من إصابتها بالفيروس مرتين خلال شهرين بعد تلقيها جرعتي لقاح "فايزر"، وانها خلال تلك الفترة لم تبرح منزلها، أما الحالة الثالثة فهي للملحن السعودي طلال باغر، الذي تلقى "فايزر" والتزم بجميع الإجراءات الوقائية ومع هذا أصيب بالفيروس، وهو حاليا في العناية الفائقة.

اللقاح الصيني
الخوف من اللقاحات الأميركية والأوروبية جعل دول عدة تلجأ إلى الصينية، على أمل الوصول إلى المناعة الجمعية، لكن عقب الاستخدام الواسع النطاق جاءت النتيجة غير المأمول، خصوصا في جزيرة سيشل، التي أعلنت أنها أكثر الدول تلقيحاً وحققت المناعة الجمعية، وبدأت الترحيب بالسياح، لكنها اضطرت إلى إعادة الإغلاق وفرض التباعد الاجتماعي، بعد تفشي الإصابات مرة ثانية رغم التطعيم، ما رجح فرضية التطعيم بجرعة ثالثة، مع مراقبة فاعلية جميع اللقاحات في دول العالم، خصوصا بعدما أقرَّ مدير المراكز الصينية للسيطرة على الأمراض جاو فو، بأن اللقاحات الصينية "لا تتمتع بمعدلات حماية مرتفعة للغاية" وأنها قيد الدراسة الرسمية.

في موازاة جدل اللقاحات، وبعد مرور 17 شهراً على الجائحة، تتوالى الدراسات والأبحاث لتقليل العدوى وعودة الحياة لطبيعتها، مع عدم القناعة بما جاء في تقرير أصدره في مارس الماضي، فريق تقوده منظمة الصحة العالمية أمضى شهرا كاملا في "ووهان" الصينية ومحيطها بالتعاون مع باحثين صينيين، قال فيه "إن الفيروس ربما انتقل من خفافيش إلى الإنسان عبر حيوان آخر وإن تسربه من المختبر غير مرجح".

أصل الفيروس
لكن توفر معلومات عن عدم تعاون الصين في التحقيق بشأن أصل الفيروس وإخفاء أدلة، فضلا عن وجود معلومات وأدلة تحتاج إلى تحليل ربما تقود إلى حل لغز الفيروس، منها تقرير استخباري أميركي أن ثلاثة باحثين في معهد "ووهان للأبحاث" سعوا للحصول على الرعاية الصحية في مستشفى، في نوفمبر 2019، أي قبل إعلان بكين عن كشف أول حالة، دعت الرئيس الأميركي جو بايدن، إلى طلب إجراء مراجعة استخباراتية جديدة لمدة 90 يوما لأصل الفيروس والتحقق من احتمال تسربه عن طريق الخطأ من مختبر ووهان بدلا من انتشاره عن طريق الخفافيش أو حيوانات أخرى إلى البشر.

يدعم ذلك إرسال وفد من علماء الفيروسات زار "معهد ووهان" في 2018،  تحذيرين رسميين إلى واشنطن للتنبيه من "سوء الحالة الأمنية في المختبرات". كما نشر باحث الميكانيكا الحيوية الجزيئية في جامعة جنوب الصين للتكنولوجيا، بوتاو شياو، في فبراير 2020 ورقة بحثية تزعم أن "الفيروس التاجي، ربما نشأ من مختبر في ووهان"، مسلطاً الضوء على مشكلات السلامة في المعهد.

تسارع الخطى حول منشأ الفيروس، أعاد إلى الواجهة دراسة لباحثيْن بريطاني ونرويجي، تشير إلى إنها تملك دليلاً على أن "العلماء الصينيين صنّعوا فيروس كورونا مخبرياً، ثم عكسوا هندسة نسخ الفيروس لجعله يبدو وكأنه تطور طبيعياً من الخفافيش". وأوضح البروفيسور البريطاني أنغوس دالغليش، والعالم النرويجي بيرغر سورنسن، للصحف البريطانية أنهما "يمتلكان دليلاً أولياً من العام الماضي، على إتمام الهندسة الرجعية للفيروس في الصين، لكن تم تجاهله من قبل أكاديميين ومجلات طبية كبرى".

وتوصلت الدراسة إلى أن "احتمال تطور الفيروس طبيعيا ضئيلاً جداً، وأن العلماء الصينيين عالجوا الفيروسات الطبيعية في المختبر لجعلها أكثر عدوى، بأن أخذوا ما يسمى العمود الفقري الطبيعي لفيروس كورونا الموجود في خفافيش الكهوف الصينية، وحولوه إلى SARS-Cov-2 القاتل والقابل للانتقال بشكل أكبر".

وأوضح الباحثان إنه "خلال بحثهما لإنتاج لقاح مضاد لكورونا، عثرا على بصمات فريدة تشير إلى أن الفيروس لم يتشكل بصورة طبيعية، بعدما اكتشفا أن أربعة أحماض أمينية متتالية من فيروس كورونا، تحمل شحنة موجبة، وترتبط بالخلايا البشرية السالبة، ونظراً لأن الأحماض الأمينية موجبة الشحنة، مثل المغناطيس، تتنافر مع بعضها البعض، فمن النادر جدا العثور على ثلاث شحنات في أحماض أمينية متتالية في الكائنات الحية، أي أنها تحدث بشكل طبيعي، في حين أن تشكل أربعة أحماض على التوالي غير وارد إطلاقاً، والطريقة الوحيدة للحصول على أربعة أحماض أمينية موجبة الشحنة على التوالي، تتم من خلال تصنيعها مخبرياً".

تنبع أهمية البحث من أن البروفيسور البريطاني دالغليش، هو أستاذ علم الأورام في لندن، الذي طور لقاحاً لعلاج فيروس نقص المناعة المكتسبة "الإيدز"، أما النرويجي سورنسن، هو عالم فيروسات ورئيس شركة "لامونور" للأدوية مطوّر لقاح "بايوفاك-19"، المرشح لعلاج فيروس كورونا أيضاً.
يبقى أن الوصول لمنشأ الفيروس ضروري للغاية لمنع تكرار الأوبئة مستقبلا ومعرفة كيفية القضاء عليها.
الجريدة الرسمية