رئيس التحرير
عصام كامل

الرقابة فى زمن ملوك الجدعنة.. كيف يتم تمرير هذا القدر من الألفاظ والعبارات والمشاهد الخادشة في دراما رمضان؟

البوستر الرسمي لمسلسل
البوستر الرسمي لمسلسل ملوك الجدعنة
حالة من الغضب الجماهيرى التى سلطت الضوء عليها انتقادات السوشيال ميديا بسبب ما احتوته بعض الأعمال الدرامية المعروضة خلال الماراثون الرمضانى لمسلسلات رمضان 2021، من ألفاظ خارجة ونابية وصفها الكثير بالخادشة للحياء والمنافية للقيم المجتمعية والأسرية، منتقدين غياب الدور الرقابى فى إيجاز عرض مثل هذه الألفاظ والعبارات داخل العمل، والتى كان من الممكن أن يتم استبدالها بأخرى توصل المعنى دون خدش الحياء.

 
ملوك الجدعنة
من أبرز الأعمال الدرامية التى نالت النصيب الأكبر من الانتقادات بسبب تضمنها لألفاظ خارجة مسلسل ملوك الجدعنة الذى يقوم ببطولته كل من مصطفى شعبان، عمرو سعد، ورانيا يوسف.

كذلك مسلسل لحم غزال، من بطولة الفنانة غادة عبد الرازق، وشريف سلامة، وغيرها من الأعمال، التى قلما تجد عملًا يخلو من لفظ أو أكثر، اعتبر لفترات خارجًا وقمة العيب أن يتفوه به شخص، لتجده يقال بكل بساطة فى عمل فنى درامى تعرضه شاشات التليفزيون على مرأى ومسمع من الملايين بمختلف أعمارهم من شباب وأطفال ورجال ونساء.



وفى هذا الصدد صرح الناقد الفنى، ومدير المركز القومى للمسرح سابقًا، عبد السلام أبو الحسن، لـ«فيتو»، إن ما يقدم من أعمال فنية دون المستوى الأدبى والتى قد تصل لحد أن يمكن وصفها بالأعمال الهابطة، ليست إلا مجرد نتاج مجتمعى هابط، والحالة الفنية الموجودة الآن ما هى إلا انعكاس للحالة العامة، من حالة ثقافية واجتماعية وفنية فى سلوكيات الناس، التى أصبحت السمة الجامعة بينهم التنمر والتصيد لأخطاء الآخرين.

وأرفض أن يتم تسمية ما يحدث بأنه رفض للآخر، فرض الآخر قد تعنى رفضه وتجنبه، ولكن ما يحدث الآن ما هو إلا رفض وترصد وكأن كل شخص عن العيب فى الآخر، فيحل نفسه محل الله والقانون والحاكم، وكل شخص يصنع قانون خاص به وكأنه يعيش فى جزيرة منعزلة أو تكية هو حاكمها الأوحد.

غياب الثقافة
وتابع أبو الحسن، بأن كل شخص يجد فيمن يقابله بالرأى أو التصرف المخالف له، يقابله بالتحرش اللفظى بل والفعلى فى أحيان أخرى، وهذا الانحلال المجتمعى جاء نتيجة لغياب الدور الثقافى، فمنذ 20 عامًا كنا نشرف على أكثر من 20 لـ 30 عرض مسرحى فى العام الواحد، فأين ذهبت تلك العروض، والتى تبعها بالقطع اختفاء حصص الموسيقى والتربية الرياضية.

وفى الوقت الذى نجد فيه تراجع وصل لحد الاختفاء للعلوم الفنية من التعليم المصرى، نجد دبى بالإمارات المتحدة تدخل مادة المسرح على مراحل التعليم الأساسى بداية من الابتدائية والإعدادية وصولًا للمرحلة الثانوية، وبالتالى يؤدى ذلك إلى ارتفاع الذوق العام الذى يعقبه بالطبع رقى فى الذوق الفنى والأدبى.

أغاني المهرجانات

أما ما آل إليه الحال الفنى الآن سواء على المستوى التمثيلى، أو حتى الغنائى، فى ظهور ذلك اللون من أغانى المهرجانات التى تحمل كلماتها سب وقذف صريح، يشعرنا بمدى رقى وسمو كلمات الفنان الشعبى القدير أحمد عدوية، والذى كان فى بداية ظهوره تعرض لموجة من الانتقادات، ولكن ذلك الانتقاد لم يكن لبذاءة كلمات أغانيه، ولكن لأنها كانت كلمات وألحانًا جديدة على الفن وقتها، ولكن كلماته كانت تحمل رسالة ومعنى.
 
ويشير أبو الحسن سلام، إلى أنه على الرغم من ذلك تجد نقطة مضيئة وباعثة للأمل فى حالة الانبهار المتجتعى بالأوركسترا العظيمة التى عزفت فى 30 أبريل فى الحدث التاريخى الخاص بنقل المومياوات الملكية من المتحف المصرى، إلى متحف الحضارة المصرى بالفسطاط، وهذا ما يعكس بالطبع الأصالة المترسخة بالفطرة فى الشعب المصرى والتى تبحث عمن يخرجها للنور ويعكسها فى صورة أعمال فنية وثقافية.
 
 وهذا يعيدنا لمقولة الأديب القدير الراحل توفيق الحكيم، الذى كان يرثى ويعنى ما آلت إليه الحالة الثقافية، قائلًا: «النهاردة انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم»، لنبدأ نحن هذه الأيام فى مرحلة جديدة وهى مرحلة الكليب والتى أصبحت أشبه بوجبة الـ«تيك أواي» والتى انعسكت على أسرة مفككة التى لم يعد تجمعها وجبة واحدة على الأقل كما كان من قبل.

الدور الرقابي
وعن الدور الرقابى الذي يسمح ويجيز بعرض الأعمال التى تخدش الحياء الأسرى، قال الناقد الفنى أبو الحسن سلام: «طالما فى إسفاف فى عمل فنى معروض يبقى مفيش رقابة»، وفى هذا الصدد أتذكر واقعة شهيرة لإحدى مسرحياتى التى عرضت فى 1982، وكانت المسرحية بعنوان (حلم ليلة صيد)، والتى تحكى عن صراع الحضارات على الإسكندرية بداية من الإسكندر الكبر والعصر الرومانى حتى عصر عمرو بن العاص.

وكانت افتتاحية المسرحية تصف الإسكندرية بالفتاة التى يحيط البحر بخصرها وتتلألأ وسط أمواجه بنهديها، إلى أن جاءها النور الذى يولد من رحم الإسلام، وكان المضحك المبكى فى الأمر أن الرقابة وقتها تجاوزت وصف الفتاة المعبرة عن الإسكندرية بمفاتنها وتمسكت بحذف كلمة «رحم الإسلام»، ولا لشيء إلا للاعتراض على أن يوصف الإسلام بالأنثى، هكذا الحال الذى وصلت له الرقابة فى وقتنا الحالى، وهى أن القائمون عليها فى أكثر أوقاتها ليسوا بمفكرين أو ادباء فأين هم من نجيب محفوظ أو يحيى حقى.
 
 ويضيف الناقد الفنى أن الرقابة على المصنفات الفنية فى كثير من أوقاتها بدأت تتعامل من منطلق «خلصنى يا رقيب»؛ لأن الأعمال المعروضة تتكلف عشرات بل مئات الملايين من الجنيهات فى بعض الأحيان، وبالتالى القائمون على هذا العمل يقومون ويسعون بكل جهدهم لتمرير مثل هذه الأعمال مهما حملته بداخلها من بذاءات وألفاظ ينأى اللسان عن ذكرها.

ويتحول دور الرقيب من رقابة فنية ونقدية من منطلق توعوى وفنى لمجرد إمضاء وختم على ديباجة المنع لأعمال أو السماح لأخرى دون دراسة أو رؤية فنية.

نقلًا عن العدد الورقي...
الجريدة الرسمية