رئيس التحرير
عصام كامل

صديقى الأمريكانى

يبدو أن نهج تغييب الشعوب، الذى تتبعه العديد من حكومات العالم منذ سنوات قد أتى بثماره، ونجح فى تشكيل وجدان الملايين حتى فى أمريكا لدرجة وصلت بالبعض انهم باتوا لا يرون من سياسات حكوماتهم الكارثية، سوى الوجه الأبيض الذى يصدر لهم عن عمد.


فمنذ أيام جمعنى القدر بصديق أمريكى يطغى حبه لجنسيته الأمريكية على أصوله المصرية بشكل كبير، وبعد حديث طويل عن كوارث سياسة الولايات المتحدة فى العالم، وجدته يتحدث بفخر وإعجاب شديد عن القرار الكارثى الذى اتخذه الرئيس الامريكى، بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر القادم.

قرار كارثي
فقلت له: وما الذى جعلكم تفترضون حسن النية فى ذلك القرار، وتتحدثون عنه وكأنه إنجاز لإدارة بايدن؟

قال: يكاد يكون هناك شبه إجماع من الإعلام الامريكى، على أن القرار يعتبر بالفعل إنجازا، خاصة وأنه سيحفظ سلامة الجنود الأمريكيين، وخطوة فى طريق سحب القوات الأمريكية من كثير من مناطق النزاعات فى العالم.

قلت: للأسف يا صديقى، لقد تم تصدير الخطوة لكم من المنظور الذى أرادته إدارة بايدن فى حين أن القرار كارثي، ولا يعنى سوى  الهزيمة للولايات المتحدة الأمريكية، وقد يشعل حربا أهلية فى أفغانستان ويمهد لعودة تنظيم القاعدة للعمل من داخل الأراضي الأفغانية، وتصدير الإرهاب لكل بقاع الأرض من جديد.

قال: ولكن القوات الأمريكية أنجزت المهمة المكلفة بها، وأصبح لا جدوى من وجودها هناك.

قلت: هذا ليس صحيح على الإطلاق، لانه عندما دخلت قوات التحالف إلى أفغانستان كان هدفها الرئيسي إسقاط حكم حركة طالبان والقضاء على تنظيم القاعدة الذى اتهمته الولايات المتحدة بتفجير سفارتيها فى كينيا وتنزانيا عام 1998، ثم تنفيذ هجمات 11 سبتمبر عام 2001، وهى الأهداف التى لم تستطيع أمريكا تحقيقها بشكل كامل حتى الآن، حيث ماتزال طالبان تسيطر، ولايزال مستقبل المفاوضات التي انطلقت بين الحكومة الأفغانية والحركة غامضا، وفشلها فى غياب قوات التحالف يعنى بالتأكيد دخول البلاد فى فوضى محققة، بل ويمهد لعودة أتباع بن لادن وغيرهم من المتطرفين إلى أفغانستان من جديد.

هزيمة أمريكا
قال: معنى هذا أن أمريكا لم تحقق أي نجاحات فى أفغانستان خلال ال 20 عاما الماضية؟

قلت: لا بالطبع، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن أمريكا قد نجحت فى إيقاف نشاط تنظيم القاعدة والقضاء على كل عمليات التخطيط للهجمات الإرهابية الدولية التى كانت تنطلق من داخل الاراضى الأفغانية، إلا أن الإنسحاب فى ذلك التوقيت يعنى الهزيمة والتخلى عن المكاسب الطفيفة التى تحققت، بعد الفاتورة الباهظة من الدم والمال التى تم دفعها خلال السنوات الماضية.

قال: عن أى فاتورة تتحدث؟

قلت: ألا تعلم يا صديقى أن أمريكا قد أنفقت ما يزيد عن ال تريليون دولار على العمليات فى أفغانستان إلى جانب سقوط ما يزيد عن 2300 جنديا أمريكيا، وأصابة أكثر من 20 ألف آخرين، ومقتل مئات الجنود من قوات التحالف، منهم أكثر من 450 جندياً بريطانيا، وكانت الفاتورة الأضخم للأسف من نصيب الشعب الافغانى المسكين، الذى سقطت منه ما يزيد أكثر  180 الف مواطنا خلال المواجهات التى لم تهدأ حتى اليوم.

عودة طالبان
قال: معنى هذا إنك ترى أن أمريكا قد فشلت فى أفغانستان؟

قلت: بالتأكيد نعم، فقد فشلت أمريكا فى القضاء على طالبان أو إعادة الأمان ل أفغانستان التى صنفت الأولى عالميا فى عدد الإنفجارات والهجمات المسلحة خلال العام الماضى، والأكثر من هذا أن مليشيات تنظيم القاعدة والعديد من التنظيمات الإرهابية قد بدأت فى العودة والتجمع من جديد على الأراضى الأفغانية، وسوف تتزايد وتتضاعف بعد رحيل القوات الأمريكية، خاصة فى ظل المكاسب العسكرية التى حققتها طالبان والتى قد تمكنها أيضا من تحقيق مكاسب سياسية أكبر، وفرض إرادتها على محادثات السلام التى لم تكتمل بعد.

قال: وإلى أى حد قد تصل الأمور فى حالة ما تم الإنسحاب الأمريكي؟

قلت: الانسحاب الأمريكي قبل إنتهاء المفاوضات بين الفصائل والقوى المتناحرة، وتحديد مستقبل سياسى واضح ل أفغانستان سوف يمهد لنشوب حرب أهلية مؤكدة، كما أن ترك الأمور على الأرض تحت هيمنة طالبان قد يعظم من عودة البلاد معقلا للتطرف والمتطرفين، خاصة وأن الطريق سوف يكون ممهدا لتدفق موجات جديدة من الإرهابيين من دول الشرق الأوسط وأوروبا، لتلقي تدريب على العمليات الإرهابية هناك.

والأكثر من ذلك يا صديقي، أن المستقبل الأمنى ل أفغانستان التى تفتقد للحد الأدنى من الأمن، سيتحول إلى كابوس يهدد كل دول العالم، خاصة وأن الأمور جميعها ستصبح خاضعة لهوى طالبان التى قد لا تقبل بالانفتاح على العالم، والعودة لاحتضان القاعدة وغيرها من الجماعات المتطرفة، التى قد تكون أمريكا أول من يكتوى بنيرانهم.. وكفى.
الجريدة الرسمية