رئيس التحرير
عصام كامل

تعلم من عمر!

ذات ليلة من الليالى بينما كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير في شوارع المدينة متفقدًا أحوال الناس، رأي خيمة لم يرها من قبل، فتقدم نحوها في هدوء متسائلًا في نفسه عن أمرها، وعندما اقترب منها سمع صوت أنين امرأة يصدر من الخيمة، فازداد همّه، ووقف خارج الخيمة ونادى على أهلها فخرج منها رجل.


سأله سيدنا عمر: من أنت؟ فقال له: أنا رجل من البادية قد جئت إلى هنا مع زوجتى نطلب عدل عمر ورعايته، فقد علمنا أنه يرعى الرعية ويقدم لها احتياجاتها، فقال عمر: وما هذا الأنين الذي أسمعه؟ فقال: هذه زوجتي تتوجع من ألم الولادة، فسأله عمر: هل عندها من يتولى رعايتها وتوليدها؟ فقال الرجل: لا، لا يوجد سواي، فسأله عمر: هل لديك النفقة لإطعامها؟، فهز الرجل رأسه نفيًا.

فقال عمر: انتظرني هنا.. سآتي لك بالنفقة ومن يولدها، وانطلق عمر بن الخطاب على الفور إلى منزله ونادى على زوجته أم كلثوم بنت على بن أبي طالب رضي الله عنه قائلًا: هل لك في خير ساقه الله لك؟ فسألته: وما ذاك؟ أجابها: هناك مسكينة فقيرة تتألم من الولادة بمفردها في طرف المدينة، فقومي يا ابنة الأكرمين وأعدي لها ما تحتاجه..

ثم قام رضي الله عنه وأخذ الطعام وحمله على رأسه وذهب إلى الخيمة مع زوجته، وهناك دخلت أم كلثوم لتتولي رعاية المرأة وجلس سيدنا عمر مع الرجل خارج الخيمة ليعد لهم الطعام.

عدل عمروبينما هم على ذلك نادت السيدة أم كلثوم من الخيمة: يا أمير المؤمنين.. إن الله عز وجل قد رزقه بولد، وزوجته الآن بخير والحمد لله، وهنا عرف الرجل أنه جالس مع أمير المؤمنين، فتراجع إلى الخلف في دهشة غير مصدق، فهو لم يكن يعلم أن هذا عمر بن الخطاب، فضحك عمر رضي الله عنه قائلًا: اقترب.. اقترب، نعم أنا عمر، والتي ولدتكم هي زوجتي أم كلثوم ابنة على بن أبي طالب.

خر الرجل باكيًا بين يدي عمر وهو يقول: آل بيت النبوة يولدون زوجتي؟.. وأمير المؤمنين يطبخ لنا؟.. فقال عمر: خذ هذا وسآتيك بالنفقة ما بقيت عندنا.

نعم أحبتى.. فهذا هو النهج الذي اتبعه خلفاء رسول الله صلي الله عليه وسلم، فمن المهم أن ندرك أن رفعة عمر لم تكن لمجرد صلاة وصيام وقيام وحسب.. بل كان له قلب متيقظ متواضع لله عز وجل، خاشع أواب منيب، يقيم العدل والحق ويحاسب نفسه قبل أن يُحاسب يوم القيامة.

تعلم من عمر وتواضع دائمًا يا صديقى، فإن أشد العلماء تواضعًا أكثرهم علمًا.. وتأكد أن الجنة لا يدخلها المتكبرون، واعلم أن المحبة هي الثمرة العادلة للتواضع، وتذكر دائمًا أن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال، وتواضع الجودي فرفعه بقدرته فوق الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.. فسبحان من تواضع كل شيء لعزته وعظمته.
الجريدة الرسمية