رئيس التحرير
عصام كامل

"أنا شهيد".. قصة قصيرة لـــ "خالد مكاوي"

يكتب أنا الشهيد-صورة
يكتب أنا الشهيد-صورة أرشيفية
18 حجم الخط

فجر الأربعاء، الثاني من فبراير 2011 ..

انزويت إلى ناصية شارع طلعت حرب باحثًا عن لحظة هدوء لكتابة تقريري عن أحداث اليوم، بعيدًا عن الجدال القائم بالميدان عقب "خطابه الثاني"، والذي أحدث بلبلة بين المعتصمين، منهم من يرى الانصراف وانتظار تحقيق الوعود التي ألقاها في خطابه، ومنهم من يصر على البقاء حتى رحيل فوري دون شرط...


متسلحًا بكاميرا في يدي، ولاب توب على ظهري، وحيرة في رأسي، وقعت عيناي على طلعت حرب باشا يولي ظهره إلينا ويمد يديه نحو وسط القاهرة مستطلعًا شيئا ما بعيدًا عن الصخب.

انجذبت قدماي إلى داخل الشارع لمصاحبة طلعت باشا في لحظة تأمله لليل القاهرة المترقب...

- "أنت صحفي؟" 

قطع الصوت انجذابي في منتصف الطريق نحو التمثال، يتخفى خلف ابتسامة رقيقة لبني آدم يتناول بضع لقيمات يقمن صلبه. 

"بلوجر" أجبته.. 

- "فرصة تكتب عن اللي حصل الأيام اللي فاتت... ماحدش عارف هايقطعوا النت تاني، ولا هايخلوه ينشروا عليه كذبهم ويشغلوا الناس عننا".

- " نزلت الميدان إمتى؟"
- " أنا هنا من يوم الأحد"..

- " من أول إمبارح بس؟"
- " من الأحد 23 يناير"..

- " 23 يناير؟!!"
- " آه.. أصلي باحب أستكشف الأجواء.. زائد إني متفرغ - بين قوسين عاطل- والفاضي يعمل قاضي، فقولت أنزل أتّقص هل الموضوع هايبقى بجد ولا زي كل مرة؟ فصليت القداس ومن ساعتها ما روحتش... أصل أنا مسيحي"..

بابتسامة احتواء أردفت" ما تقولش مسيحي، قول مصري".. 
- " مسيحي مصري"..

-"إلا صحيح.. هو أنا لو مت هاتسموني شهيد ولا هاتقولوا ما ينفعش عشان ده مسيحي؟"..

صِدق تساؤله البارز في عينيه زاد من حيرتي وتشتتي...

أحسست بعقلي يندفع مسعورًا ذهابًا وإيابًا بين جدران مخي الداخلية المصمتة يبحث عن نافذة تطل على إجابة تعادل صدق السؤال، أو حتى هروب دبلوماسي منمق ومزخرف بتلك العبارات المجوفة التي ملأوا أسماعنا بها في مؤتمراتهم المسماة" الوحدة الوطنية"...

"الوحدة"... تلك الكلمة التي تعبر عن انعزال كل طرف عن الآخر وتقوقعه على نفسه متخوفًا من المجهول ومتحفزًا للانقضاض على الآخر بمجرد حدوث ذلة تافهة منه...

نقهر أنفسنا ونسمح باضطهادهم لنا ثم نندفع نأكل بعضنا قهرًا ويظل المضطهد الأكبر يشاهدنا فرحًا في برجه العاجي.

صراعات وصراخ وصور لذقون لم أستطع تمييز هويتها الدينية من شدة تسارع ظهورها في خلدي.. إحساس باختناق شديد لم يألفه صدري مع قنابل الغاز الكريهة التي عانيناها منذ أيام قليلة...

شلل تام بلساني، الذي سرعان ما استند على عيني الحائرتين في البحث عن إجابة ترضي كلا منا...

انفجار يدوي- ليس بداخلي هذه المرة- وبحركة لا إرادية اندفعنا نحو الميدان الهائج في دفاعه لصد الهجمات المتتالية من رصاص ومولوتوف خفافيش الظلام.

قرب وصولنا لناصية طلعت حرب المطلة على ميدان التحرير، دوى انفجار الرصاصة الثانية مصحوبًا بصيحة "حاســب!!"، وإلقاء جسد دافئ على صدري... لم يكن من العسير علىّ تمييز الجسد، فهو لذلك( المسيحي المصري) صاحب صيحة "حاسب"، زحفًا إلى الرصيف جذبته وتطلعت إلى وجهه... 

- "أنا شهيد....!!"

قالها ولازال الصدق يبرز من عينيه مصحوبًا بالأمل والرجاء...

توقف نبض الجسد وبقي ترديد الصوت "أنا شهيد".. "أنا شهيد"...

الجريدة الرسمية