رئيس التحرير
عصام كامل

ملائكة في العزل.. ممرضون يروون حكاياتهم من داخل غرف الحجر الصحي | صور

ملائكة الرحمة في
ملائكة الرحمة في الحجر الصحي

في التاسع والعشرين من فبراير الماضي، توجه "رمضان عبد العال" الذي يعمل ممرضا بمستشفى جراحات اليوم الواحد بأشمون منذ حوالي 24 عاما، إلى مستشفى إسنا بمحافظة الأقصر، لإتمام تكليف جاءه من وزارة الصحة المصرية، على أن يستمر التكليف، وكانت هذه  المرة الأولى التي يزور فيها رمضان الأقصر وبالطبع مستشفى إسنا، لكن منتصف ليل الجمعة 14 مارس الجاري انقلبت الأوضاع رأسا على عقب فبينما كان رمضان يستعد لإنهاء تكليفه في إسنا والعودة لعمله مرة أخرى، جاءت أول سيارة إسعاف حاملة مصابا بفيروس كورونا المستجد كوفيد -19، ليعلن رمضان حينها عزمه البقاء في المستشفى 14 يوما قابلة للتجديد لحين انفراج الأزمة.

كانت الصدفة وراء انضمام رمضان لطاقم تمريض مستشفى إسنا العام التي أعلنت وزارة الصحة والسكان في وقت سابق تحويلها كليا لحجر صحي لاستقبال وعلاج مصابي فيروس كورونا، أصبح رمضان الممرض رقم 60 في المستشفى.

"اخترت أكون وسط طاقم التمريض هناك لحظة ما شفت الحالات داخلة عليا والناس كأنها بستنجد بينا نساعدهم يتغلبوا على المرض، وقلت لهم مستعد أفضل هنا 14 يوم واخضع للعزل 14 يوم ثم أعود للعمل 14 يوم تانيين".

 

 

جميعنا خلائف الله على الأرض خلقنا لنشر السلام والأمان والخير بين ربوعها، ولكن أن يسخرك الله مدة 14 يوما متتالين لتحمل بين يديك روح إنسان فتصبح وسيلته ويده التي ترعى تلك الروح وتحاول الخلاص بها بعيدا عن شرور الفتك والموت، فهذا بالتأكيد واجب مضاعف وهبة اختص بها الله سبحانه وتعالى البعض من عباده دون غيرهم، وهذا بالضبط ما وصفه رمضان حينما أكد أنه بمجرد دخول مصاب الكورونا إلى المستشفى ينقطع الأمل لديه في الخروج مرة أخرى لرؤية أهله وذويه، فيظل الممرض هو الأنيس الوحيد له في غرفة محكمة الإغلاق والتعقيم.

"إحنا بنكون محتكين احتكاك مباشر بالمرضى، قاعدين معاهم 12 ساعة، نلبي له كل طلباته، لو محتاج أكل أو شرب انت اللي بتأكله لو محتاج تروح معاه الحمام بتروح حتى لو بأسطوانة الأوكسجين، يصبح مفيش غيرك انت وهو في المكان كأنه أمانة معاك أمام ربنا كأنه كلفك بالحفاظ على روحه، إما تقدر تعدي بيه من الأزمة أو هتكون مقصر معاه وحالته تتدهور، إحنا هنا كلنا متعاونين مع بعض كل واحد بيقوم بدوره على أكمل وجه". ربما كان هذا هو السبب الذي دفع برمضان أن يظل في حجر إسنا الصحي للمساعدة في علاج المرضى.

 

 

 

 

حوالي 12 ساعة متتالية يقضيها رمضان مع مصاب الكورونا، لا أحد سواهما في الغرفة، تتقلب الحالة الصحية للمريض بين الحين والآخر ارتعاشة جسد وربما تشنجات طفيفة، محاولات مستمرة للطمأنة، التأكد من أن أسطوانة الأكسجين تعمل بكفاءة، من خلف القفاز الطبي ثمة ربتة على اليد وابتسامة تخبره بأن القادم يحمل الخير كله.

مهمة تقع على عاتق رمضان كلما وصلته حالة جديدة مصابة بفيروس كورونا، "أنا من كثرة عدد المرضى اللي باشرت علاجها نسيت هما كام، لأنه النظام عندنا في أيام ممكن نمسك حالتين 3 مع بعض، ومن فترة لأخرى المريض بيتغير لأنه ممكن مريض ينزل مكان تاني سواء تحسنت حالته أو تدهورت، ومكلفين بتحسين الحالة النفسية لكافة المرضى حتى اللي حالته متدهورة وفيه إحتمالية إنه لا قدر الله يموت".

 

 

بالرغم من السنوات التي قضاها رمضان في مهنة التمريض، إلا أن أول يومين شهدا إقبال المرضى على المستشفى كان الخوف يسيطر على نفس رمضان وطاقم التمريض وكذلك الأطباء أنفسهم، خوف من الفشل وربما خوف على أنفسهم من انتقال العدوى إليهم، " أول يومين كنا خايفين طول الوقت حاجة جديدة علينا أول مرة نشوف حالات بالشكل ده لكن مع الوقت بدأنا نتعود على كدة، لكن بالتكرار تعودنا وتأقلمنا".

 

 

لا يمكن لـ "خضرا عبد ربه" نائب رئيس التمريض بمستشفى إسنا منذ حوالي 13 عاما، أن تمحي من ذاكرتها مشهد مرت عليه حوالي 12 يوما، حينما وصلتها حالة لوكيل كلية الفنون الجميلة بالأقصر صاحب الـ32 سنة أصيب بفيروس كورونا هو وزوجته ودخلا معا المستشفى عاقدين العزم على ألا يفرقهما المرض مدة الـ 14 يوما التي سيقضياها داخل الحجر الصحي، إلا أنه كان لفيروس كورونا رأي آخر فسرعان ما تدهورت الحالة الصحية للزوج، اتشدت وطأة الأعراض الأكثر خطورة للمرض، كاد القلب يتوقف وكذلك الرئتان اللتان شارفت وظائفهما على التوقف تماما، " المريض ده خلاص مفروض هيموت، هو تحسن عن الأول، يمكن هو أكثر حالة أثرت فيا،أنا عشت لحظات خوف زوجته المريضة وبنته عليه، شفت مشهد الوداع الأخير بينهم حد فاكر نفسه خلاص هيموت وبيتصرف على الأساس ده".

 

 

لم تر خضرا طفليها منذ 14 يوما، منذ اليوم الأول لدخولها المستشفى تركت وديعة لدى والدتها، "بقت مكالمات التليفون هي الوسيلة الوحيد علشان اطمن عليهم لأنه أعمارهم 4 سنوات و سنة، لكن انا شايفة غنه واجبي مع المرضى هنا أكبر من بقائي معاهم أنا بقعد مع المرضى كل 12 ساعة، بنتكلم معاهم طول الوقت وبيطلبوا سوائل ساخنة طوال اليوم لأنه المرض بيسبب دايما جفاف في الحلق، وأي شيء بنكون جنبهم فيه".

 

 

كانت "صابرين جابر" ممرضة منذ حوالي 2015، ضمن صفوف الطاقم الطبي الأول الذي تم تكليفه بالتوجه إلى مستشفى النجيلة بمحافظة مرسى مطروح لاستقبال أول حالات الإصابة بكوفيد -19 الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، استمرت في النجيلة منذ مطلع يناير الماضي وحتى الأول من مارس الجاري حينما تم نقلها إلى مستشفى إسنا بالأقصر، فكانت بمثابة المطمأن لطاقم التمريض هناك، "وقت ما وصلت حالات مصابة الشهر ده لإسنا كنت بطمنهم وبقول لهم متخافوش ولازم نساعد المرضى أنا قضيت فترة كبيرة في النجيلة خالطت عشرات المرضى. لاحظت الخوف في عيونهم في أول الأمر وشفت هما قد إيه عايزين يساعدوا الناس دي علشان تخرج تاني على رجليها".

 

الجريدة الرسمية