رئيس التحرير
عصام كامل

محمد خان يكتب: ذكرياتي مع سعاد حسني

سعاد حسني
سعاد حسني

فى جريدة "القبس" الكويتية عام 1999 كتب المخرج محمد خان مقالًا عن سعاد حسنى فى عموده الذى نشر بعنوان (مخرج على الطريق) قال فيه: أثناء رحلتى إلى لندن عاصمة الضباب أنا والسينارست بشير الديك لطبع فيلم أيام السادات فكرنا فى زيارة فنانتنا الجميلة سعاد حسنى التى كانت تعالج هناك للاطمئنان عليها، اتصلنا بها وحددت الميعاد وكان اللقاء.

على باب شقتها أوقفتنا رائحة شهية من الداخل، فتبادلنا النظرات والتساؤلات وحاول كل منا استنتاج نوعية الرائحة ببعض التحدى المتبادل، والحقيقة أنه رغم أصول بشير الريفية إلا أنى تفوقت عليه أنا ابن المدينة وأعلنت بثقة تامة أنها رائحة "المورتا" التى تستخلص من الزبدة، وهى شديدة الدسامة والطعم.. هنا اكتشفت حبها للطعام خاصة الأكل البلدى الأصيل.

“ولا أنسى يوم دعتنا فيه إلى أكلة لحمة رأس حين فوجئت على قمة الطبق الذى كنت على وشك من تناول كل ما به بعين تنظر بحدة نحوى، وكدت أقوم هاربًا لولا بشير الذى التقطها سريعًا بملعقته ليقرقشها بلذة واضحة وهو يعلن أنها الجوهرة أى العين وأننى ابن المدينة لا يفهم أى شيء فى طعام ابن البلد“.

“ولا أنسى سعاد أثناء تصوير مشهد هام ومؤلم فى الفيلم (موعد على العشاء) الوحيد الذى جمعنا وهى منزوية فى أحد أركان المشرحة وهى تأكل سندوتش ما، بعد ذلك التقينا فى باريس وجلسنا بأحد المطاعم الإيطالية وأصرت ألا تشاركنى الطعام حتى وصل طلبى الذى طلبته وأثار لعابها وطلبت المثيل فورًا“.

واليوم ونحن نشتاق إلى عودة سعاد لنا على الشاشة أجد فى ملاحظاتى ربما تفسيرًا لعلاقة سعاد بالطعام أرجو ألا يساء فهمه، أعتقد أن هذه العلاقة هى أحد سبل التغلب على الأرق والحيرة التى تصيب أى فنان على حافة الإبداع، وسعاد بدون شك فنانة مبدعة من الطراز الأول، فهى دائمًا تبحث عن تفسيرات ودوافع لأى انفعال مطلوب منها وهى تتقلب تحت جلد الشخصية التى تؤديها.

دائمًا تهدف الى التجويد والتألق، وأعتقد أن تحضريرها لكل دور تقوم به شهادة للجدية اللازمة التى تفرضها على العمل، فكم سبَّب وزنها قلق منتجين أو مخرجين قبل كل فيلم، ألا أنها دائمًا تتبع رجيما قاسيا وتمرينات رياضية بانتظام حتى تقف أمام الكاميرا وتحت الأضواء متحدية الدور والعمل ككل.

 

 

وإذا كانت هناك بعض القرح أصابت أمعاء بعض المخرجين الذين تعاملوا معها فهذا كان لجهلهم بالوسيلة التى من الممكن التأقلم بها معها، فهى السهل الممتنع بمعنى الكلمة، دائمة القلق والتردد والسؤال ولكنها قادرة على أن تعطى أكثر من المتوقع، وتجربتى معها بدأت بالجهل من طرفي وانتهت بالإبداع الثنائى بيننا.. هى أمام الكاميرا وأنا خلفها.

عيد ميلاد المشاكس يوسف شاهين.. المدخن الشره الذي تمنى التدخين تحت الدش

فإذا أردت أن أكتب عن تجرِبتى مع سعاد حسنى فى فيلمنا الوحيد فالدافع هو فقدانى الشديد لفنها النادر على الساحة اليوم، وإذا كانت حسيتها نحو الطعام والحياة هو مصدر الطاقة الهائلة التى تستطيع أن تحقن بها أعمالها، فهذا المقال هو بداية وخلاصة فى آن واحد مثل المورتا شديدة وخاصة الذوق.

الجريدة الرسمية