رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكرى إغراقها.. الغواصة "داكار" لغز يحاول الإسرائيليون معرفته

اللواء محمد عبد الحميد
اللواء محمد عبد الحميد عزب

حلت أمس الخميس ذكرى إغراق الغواصة الإسرائيلية داكار وتحديدا في 23 يناير 68 بقيادة اللواء بحري محمد عبد المجيد عزب الذي تخرج من  الكلية البحرية عام 1953 الدفعة الخامسة الذي ظلت إسرائيل تبحث عنه بكل أجهزة مخابراتها وجواسيسها في منطقة الشرق الأوسط لتنتقم منه طوال عقد من الزمان، وقد رصدت  لذلك مليوني دولار  والكثير من الهدايا والمنح لكي تحل لغز غواصتها داكار. 

حكاية المدمرة داكار

نعود بالزمن تحديدا بعد نكسة 67 قامت البحرية المصرية بأقوى بطولة عسكرية في التاريخ  وهي إغراق المدمرة الإسرائيلية "إيلات" وهي أكبر قطع الأسطول البحري الإسرائيلي، مما أفقد البحرية الإسرائيلية أهم عناصر الدفاع والهجوم البحرى فسارعت  إلى شراء الغواصتين "داكار" و"دولفين" من انجلترا لدعم قواتها البحرية.

وفي ميناء بورتسموث الإنجليزي أقيم احتفال يوم 9 يناير 1968 بمناسبة بدء إبحار الغواصتين من إنجلترا إلى إسرائيل، وكان من المقرر أن تصل الغواصتان إلى حيفا وهي القاعدة الرئيسية للبحرية الإسرائيلية يوم 25 يناير من نفس العام حيث سيقام بهذه المناسبة احتفال كبير يحضره رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها ليفي اشكول، لكن المدمرة "داكار" قطعت المسافة بسرعة أكبر مما هو مخطط.

انقطاع أخبار الغواصة 

تلقي قائدها الرائد بحري يعقوب رعنان أوامر بأن يهدئ من سرعة الغواصة حتى لا يصل ميناء حيفا قبل موعد الاحتفال، وبعد بضع ساعات تلقي أوامر جديدة بالاتجاه إلى الشواطئ البحرية المصرية، وتحديدا إلى ميناء الإسكندرية لمهاجمة قطع بحرية كان مقررا أن يستقلها الرئيس جمال عبد الناصر صباح يوم 25 يناير لمشاهدة مناورة لوحدات البحرية المصرية، وعلى الفور جنحت الغواصة الإسرائيلية إلى الشواطئ المصرية واقتربت جداً من ميناء الإسكندرية، وفي يوم 23 يناير 1968 أرسل قائدها رسالة من كلمة واحدة إلى قادته في "تل أبيب" تقول الرسالة "تمام" وبعدها انقطع الاتصال بالغواصة واختفت ولم يعثر لها على أثر حتى الآن.

 

خبر اختفاء "داكار" بكامل طاقمها الذي يضم 69 ضابطا وجنديا إسرائيليا أصاب إسرائيل بالجنون، ورصدت "تل أبيب" مليون شيكل يوميا للبحث عن الغواصة المختفية، ولذات الهدف استنجدت إسرائيل بالولايات المتحدة وبريطانيا واليونان وطلبت منها مساعدتها في الوصول إلى الغواصة "داكار".

وبعد 57 طلعة جوية إسرائيلية و14 طلعة جوية بريطانية و14 طلعة أمريكية و3 طلعات يونانية انتهى الأمر إلى "لا شيء!! بعد تمشيط 104 آلاف ميل مربع من البحر المتوسط، ورغم ذلك لم تفقد "تل أبيب" الأمل ولهذا قامت بتمشيط 2.60 ألف ميل مربع أخرى بالبحر المتوسط بواسطة 10 قطع من سلاح البحرية الإسرائيلية و18 سفينة من الأسطول التجاري وقطعتين من البحرية البريطانية و3 قطع من البحرية الأمريكية و4 قطع بحرية تركية وقطعتين يونانيتين.. ولكن لم يعثر لـ"داكار" على أثر".

وبعد اختفاء "داكار" كانت إسرائيل أشبه بالغريق الذي يتعلق بأي قشة ولهذا أخذت البحرية الإسرائيلية تتعقب أية معلومة وتجري وراء أية شائعة عسى أن تصل في النهاية لفك لغز اختفاء الغواصة، واستبعد الإسرائيليين تماماـ حسب تأكيدات الخبراء ـ احتمال غرق المدمرة.

مفاجأة مصرية

في الوقت الذي استبعدت فيه إسرائيل فكرة غرق مدمرتها الحربية أعلن الفريق محمد فوزي وزير الحربية المصري في  آخر شهر يناير عام 1968  أن المصريين اغرقوا "داكار" وهو نفس ما أكده الفريق محمد صادق ـ قائد المخابرات الحربية المصرية وقتها والفريق بحري محمود فهمي عبد الرحمن رئيس عمليات القوات البحرية المصرية في ذات الفترة واستبعد الإسرائيليون إغراق "داكار" نتيجة عمل عسكري بينما راحوا يلهثون وراء أية شائعة  وبعد سنوات من فشل كل هذه المحاولات  في البحث عن داكار بدأ قادة "تل أبيب" يأخذون التصريحات المصرية التي تؤكد إغراق القوات المصرية للغواصة "داكار" قرب ميناء الإسكندرية على أنها جادة وأنهم أخطاوا منذ البداية.

وبمجرد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين القاهرة وتل أبيب عام 1978 طلبت إسرائيل البحث عن حطام "داكار" قرب الشواطئ المصرية وأرسلت أكثر من بعثة ومجموعة بحث وفتشوا ونقبوا ولم يعثروا على شيء لكن إسرائيل لا تعتبر جنودها قتلى إلا بعد العثور ودفن جثثهم وذهبت من جديد تفتش في الماضي وتحلل بدقة ما نشرته الصحف المصرية عام 1970 عن تفاصيل إغراق الغواصة الإسرائيلية داكار بواسطة إحدى سفن التدريب التابعة لقوات البحرية المصرية، وقتها تقين قادة إسرائيل أن قائد سفينة التدريب المصري هو الوحيد القادر علي كشف لغز "داكار" وتحديد المكان الذي غرقت فيه.

السفينة التي أغرقت داكار

يوم 23 يناير عام 1968 غادرت السفينة الحربية "أسيوط" في مهمة تدريبية وعلى متنها عدد من طلبة الكلية البحرية، وبعد انتهاء التدريب، وكان الوقت ظهرا، أرسلت السفينة الإشارة التقليدية لطلب الإذن بالدخول إلى الميناء وأخذت تبحر ببطء صوب الميناء لحين صدور الإذن لها بالدخول، وفي هذه الأثناء كان بعض الطلبة المتواجدين بمركز قيادة السفينة يقومون بالتدريب على أعمال المراقبة البصرية، وأخذ أحدهم وهو العريف طالب عادل معتوق يتطلع إلى سطح البحر الساكن، في ذلك اليوم، ومن خلال النظارات المبكرة التي كان يستخدمها شاهد هدفا صغير جداً يشق سطح البحر.

وبعد مراقبته لبضع دقائق لم يستطع التعرف على هوية ما يراه، وعندها لجأ إلى زميل دراسته وهو وقتئذ الرقيب طالب محمد أحمد إبراهيم الذي لم يعرف هو الآخر نوعية الهدف، فلجأ إلى قائد السفينة الذي تمكن بسهولة ـ بحكم خبرته. من تحديد هذا الشيء الصغير الذي لم يكن سوى "بريسكوب" غواصة وفورا قرر قائد السفينة مهاجمة تلك الغواصة المجهولة التي انتهكت مياهنا الإقليمية بالسير تحت سطح البحر في منطقة يمتنع على غواصاتنا الغطس فيها.

 وعلى الفور أصدر قائد السفينة المصرية المقدم بحري محمد عبد المجيد عزب أوامره بإعلان مراكز القتال بالسفينة فانطلق دوي أجراس الإنذار وسارع كل فرد بالسفينة لاتخاذ موقعه والتأهب لتنفيذ ما يصدر إليه من أوامر،وبعد ذلك اصدر قائد السفينة أوامره بالهجوم علي الغواصة بقذائف الأعماق وما هي إلا لحظات وأخذت ماكينات السفينة تهدر بشدة، ودارت السفينة على أحد جوانبها لتتجه مقدمتها إلى الغواصة ثم تقدمت صوب الغواصة بأقصى سرعة، وتم تجهيز قذائف الاعماق لكي تنطلق صوب الغواصة الذي حدد مكانها بدقة جهاز اكتشاف الغواصات بالسفينة وفي تلك اللحظة صدرت الأوامر للسفينة بالدخول إلى الميناء، وعندها أرسل المقدم "عزب" إشارة إلى قادته يخطر فيها بوجود غواصة معادية بالقرب من الميناء وانه مستعد للتعامل معها وجاءه الرد بالتأكيد على ضرورة دخوله ميناء الإسكندرية فوراً ولكنه كان واثقا يومها أن الغواصة معادية ولهذا    ثبتت صحة كلامه بعد ذلك وهو اصطدام الغواصة بالقاع الذي يبعد عن سطح البحر بـ 18 قامة فقط عند محاولتها الهرب من ضربات السفينة  فغطست في مكان عمق الماء به حوالي حوالي 38 مترا مما أغرقها فورا في الرمال.

أدرك قادة إسرائيل أن اللواء متقاعد محمد عبد المجيد عزب هو الوحيد القادر على تحديد مكان "داكار" ولهذا طلب "نتنياهو" عندما تولى رئاسة وزراء إسرائيل - رسميا- من السلطات المصرية أن يلتقي وفد إسرائيلي باللواء "عزب"، لكن طلبه قوبل بالرفض من الجانب المصري، ثم أرسل الإسرائيليون نحو 6 بعثات منها 4 بعثات التقت به وحاولوا أن يعرفوا منه المكان الذي غرقت فيه "داكار" ولكنه في كل مرة كان يرفض تحديد المكان مشترطا أن تكشف إسرائيل أولا عن مصير 9 آلاف و800 مصري اختفوا في سيناء عقب نكسة 1967 وأن يعلنوا ما انتهت إليه التحقيقات بشأن الجرائم التي ارتكبت في حق الأسرى المصريين في حربي 1956 و1967".

الجريدة الرسمية