رئيس التحرير
عصام كامل

تجديد الخطاب السياسي


لا يمر يوم إلا ويتجدد مطلب تجديد الخطاب الديني، وأظن أن تجديد الخطاب الديني مرتبط بتحديد الخطاب السياسي والإصلاحي، والإصلاح يبدأ ببساطة بالعودة للتنمية الشاملة التي تقوم على التوسع في الصناعة والزراعة والتشغيل، وهذا ما يسهم في التنمية البشرية..


هذه التغييرات تتطلب منا تجديد خطابنا السياسي، من خطاب المستضعفين إلى خطاب الأقوياء القادرين على الإنجاز، يجب علينا أن نتذكر أننا كمجتمع تجاوزنا صعوبات كثيرة، ولهذا يحتاج الخطاب السياسي العام إلى إعادة النظر، وينتظر أن يتولى خبراء الطب النفسي وعلم الاجتماع تشخيص مرض مصري غير مسبوق، لمعرفة أسبابه..

فلم تشهد مصر هذا المدّ الكاسح ممن يشوهون الرأي الآخر ويحتكرون صكوك الوطنية فيمنحونها من يشاؤون، ويحرمون منها المغضوب عليهم غير الضالين، ولا يحتملون رأيا يناقش، ومن المعلوم بالضرورة أنه لا سياسة بلا سياسيين، ومن ثم لا سياسيين بلا سياسة، وتطور ديمقراطي، ومؤسسات حديثة ودولة القانون، وفِي ظل الأوضاع الحالية يساهم الخطاب الذي لا يبشر بالأمل وإهمال المشاركة السياسية في تقليص مساحات الأمل ونشر الإحباط..

وكل ما يقال عن تجديد الخطاب الديني باعتباره ضرورة تمليها الشوائب التي علقت بالدين وحاولت إفراغه من شحنة التسامح والاعتدال ليس معزولًا عن تحديث الخطاب السياسي، الذي أضافت إليه حروب القرن العشرين والحروب الطائفية والعرقية مفردات، منها ما يسعى إلى شرعنة الإبادات وتبرير الجرائم، بظهور الميكافيلية التي تبرر الغايات والجرائم التي ترتكب باسم الأديان بحيث أعطى كثر من المتطرفين وبعض السياسيين أنفسهم حقا سماويا في الثواب والعقاب..

والخطاب المعارض ليس نقيضا للخطاب الرسمي، وإنما هو انعكاس له، حتى إن البعض اعتبر شخص سباب جاهل معارض فقط لكي يرضي شوقهم للمعارضة كرد فعل لبعض التنطع الإعلامي ممن يزعمون أنهم متحدثون باسم النظام.

والتحديث كما التجديد لا يعني الحذف أو التخلي عن الموروث، بل تنقيته مما علق به في أزمنة الانحطاط والفوضى من الخرافة ومسوغات الاستبداد والاستعباد!

وقد تكون هذه الأيام مناسبة نموذجية لمثل هذه المراجعات! وإلا فكيف نطالب من يقول إنه “مظلوم” بألّا يجهر بالسوء من القول؟ ذلك لأن ردود الفعل، في أغلب الأحوال، يساوي الفعل، ولم يكن الخطاب السياسي بهذا السوء، كما فعل "السادات" في خطاب تليفزيوني بسب خصومه ومنهم "فتحي رضوان"، وقال إن الشيخ "أحمد المحلاوي": “مرمى في السجن زيّ الكلب”، وخاطب :عمر التلمساني" باسمه مجردا: “مش كده يا عمر؟”.

ورغم الغضب سمح "السادات" لـ"التلمساني" بالرد والتوضيح، ثم طلب الرئيس إلى "التلمساني" أن يسحب شكوى قدمها إلى الله في "السادات"، وفي عام 1961 نقل التليفزيون، مناظرة بين "جمال عبدالناصر" والكاتب "خالد محمد خالد"، في اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي انبثق عنه الاتحاد الاشتراكي وإصدار الميثاق.

وعقّب الكاتب على "عبدالناصر" قائلا: إن الديمقراطية “أن يكون الشعب قادرا على أن يختار حكامه باقتراع حرّ، وأن يكون الشعب قادرا على أن يغير حكامه باقتراع حر. الديمقراطية هي أن يمارس الشعب مسؤوليته، وأنا لا أجامل حين أقول إننا إذا أضعنا على الشعب فرصته الكاملة في أن يمارس الديمقراطية بمفهومها الذي ذكرته الآن، فإننا نحرمه فرصة العمر”.

ودار بينهما نقاش متكافئ، ومن هنا اعتمد نظام "عبد الناصر" في تأميمه للسياسة وإلغاء الحياة السياسية الديمقراطية على مواريث شبه ليبرالية، ونخب رفيعة التكوين والخبرات الدولية والتكنوقراطية والبيروقراطية، على نحو ساعده في بناء مشروعه الذي حاز قاعدة تأييد اجتماعي واسعة..

وفي عهد "حسني مبارك" خسر وزير الداخلية "زكي بدر" منصبه لانفلات لسانه بسباب معارضين، وكذلك ذهب اثنان من وزراء العدل في زلات لسان خلال حوارات تليفزيونية.
الجريدة الرسمية