رئيس التحرير
عصام كامل

"نجيب محفوظ" الأديب الأعظم!


سياسيا بيننا وبين مواقف "نجيب محفوظ" تباينات عديدة ولكن ذلك لا يمنع التقييم الموضوعي والشهادة بغير زور حتى لو لم تكن لنا علاقة بالنقد الأدبي ولم ولا نمارسه..


وربما نتحدث ويتحدث غيرنا طويلا عن خلط السياسة بالحصول على جوائز نوبل، وهذا ربما يكون صحيحا وهو في الغالب كذلك إلا أن التخصصات النوعية الأخرى يقل هذا التأثير كثيرا، وتظل الجائزة تحافظ على ومعاييرها ومن ثم سمعتها..

وحتى لو كانت الجائزة مسيسة في كافة أفرعها بما فيها الأدب فلا نعتقد أديبا يستحق نوبل في العالم أكثر من "نجيب محفوظ"، والذي هو بحق معجزة في الرواية يندر أن تتكرر.. وبعمومها وتفاصيلها لن تتكرر!

"محفوظ" هو فيلسوف الرواية بلا منازع.. تحدث مبكرا عن كيف يتغير الموقف السياسي والرؤية للقضايا العامة إذا تغير الوضع الاجتماعي، وكيف مثل رؤوف علوان في "اللص والكلاب"، ها النموذج ليكون أحد هؤلاء "الكلاب" الذي أوصلوا "سعيد مهران" لمصيره المأساوي!

وعن الصراع بين الروح والمادة والقدرة على الاختيار في سبيل الوصول إلى السعادة كانت "الطريق" الرواية الفلسفية التي جسدها باقتدار "رشدي اباظة" مع "شادية" و"سعاد حسني" بينما حدد موقفه الاجتماعي والسياسي في روايته "القاهرة 30 " وكتبت في منتصف الأربعينيات، والقصة الثانية "بداية ونهاية"، وكتبها في أواخر الأربعينيات أيضا، وكليهما في العهد الملكي أو عهد الاحتلال البريطاني، وما به من فساد وسحق اجتماعي للطبقات الفقيرة!

بينما كتب "ميرامار" و"ثرثرة فوق النيل" في الستينيات كاشفا بعض القصور وتسلل المنافقين للسلطة!

"محفوظ" يتحدث عن الازدواجية في "الثلاثية"، ويسجل لعصر بأكمله في "الحرافيش" وما بها من قضايا، منها مثلا انتظار الناس دائما للفارس المخلص من الظلم دون القدرة على الحركة بأنفسهم، مهما بلغ الظلم مداه وصولا لرائعته "حديث الصباح والمساء"، ويصل إلى قمة الإبداع في "أولاد حارتنا"، والتي لا يقدر ولا يجرؤ عليها غيره.. وغيرها وغيرها!

"محفوظ" لم يتدخل قط في الأفلام التي حولت رواياته إلى شاشة السينما، حتى لو ذهب بها صناعها بعيدا عن الحكمة التي أرادها تاركا الحكم للتاريخ، مؤكدا أنه يحاسب فقط على رواياته، ولم يكتب في السياسة بشكل مباشر وتحديدا عن حكام مصر أثناء حكمهم، بل كانت آراؤه وقتها يقولها من خلال أبطال رواياته، وقدم للسينما عددا من السيناريوهات خلاف المجموعات القصصية..

وتولي "محفوظ" في العصر الذهبي للقوى الناعمة في الستينيات رئاسة "المؤسسة العامة للسينما"، ليكون بحق اسطورة كاملة الأركان وعلامة من علامات الأدب العربي والعالمي رفعت اسم مصر والعرب عاليا، ولا يصح تشويهها أو الاستهانة بها وخصوصا في مهرجان خارج مصر!
الجريدة الرسمية