رئيس التحرير
عصام كامل

احتلال في ثوب شرعي


لا أدرى إلى متى سيظل المجتمع الدولي "الظالم" وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، يتعامل مع دول العالم الثالث بمنطق الاستعلاء، وفرض سياسة القوة، وتصدير نفسه -على عكس الحقيقة- في صورة "راعي العدالة" المنتصر لحقوق الضعفاء، مثلما فعل مع الأكراد في منطقة الشمال السوري منذ أيام.


فالمتابع لسيناريو الغزو التركي للأراضي السورية، وما صاحبه من تبعات وتحركات دولية خلال الأيام القليلة الماضية، يستطيع أن يكتشف وبسهولة، مدى "قذارة" وانحطاط القوى الدولية، خاصة "أمريكا وإيران" الذين يمتلكون مع الأتراك كل أوراق اللعبة داخل الأراضي السورية، والذين منحوا لـ "أردوغان" حقوقا لا يملكونها، في أراضٍ لا حقوق له فيها، وبشكل مغلف بالشريعة.

للأسف، أن الواقع يؤكد أن "الإدارة الأمريكية" قد لعبت في الأزمة دور "الحليف غير الأمين" وباعت الأكراد و"مجلس سوريا الديمقراطي" للأتراك بموجب اتفاق أبرمته معهم منذ شهور، منحت لـ "أردوغان" بموجبه حرية اجتياح منطقة الشمال السوري، والاستحواذ عليها، بعد أن قررت دون مبرر سحب قواتها من شمال سوريا، وفتح الطريق للقوات التركية لغزو المنطقة، وإقامة مجزرة للآلاف من العزل، الذين عاشوا لسنوات يعانون من هجمات "تنظيم داعش الإرهابي".

وعندما وقعت الكارثة، وبدأ الأتراك في تنفيذ مخططهم وفقا للسيناريو المتفق عليه، كان لا بد أن يتحرك "الأمريكان" في صورة "الملاك المخلص" الذي يسعى لإنقاذ ارواح الأبرياء الأكراد من قبضة "الشيطان التركي" تحت سيف عقوبات تافهة ومضحكة، حيث أوفد "ترامب" نائبه ووزير خارجيته إلى أنقرة للاجتماع بالرئيس التركي، ليخروجوا باتفاق "كارثي" منح لـ "أردوغان" كل ما كان يتمناه في شمال سوريا، في حين تم تصدير الاتفاق للعالم في صورة طوق النجاة لقوات سوريا الديمقراطية، وسكان الشمال السوري، وليخرج" ترامب" ويقول للعالم في بجاحة: "لقد نجحنا في حماية شركائنا الأكراد".

في حين أن الاتفاق قد حقق كل مطالب الأتراك التي طالبوا بها قبل العملية العسكرية بشهور، بل ومنحهم "احتلالا" مغلف بـ "الشرعية" للأراضي السورية بعمق 32 كيلو مترا ولأمد غير معروف، تحت ستار حماية المدنيين الأكراد، بل والأكثر من ذلك، أنه "غل" يد قوات سوريا الديمقراطية "الأبطال" من أدنى حقوقهم في "المقاومة" من أجل إستعادة السيطرة على أراض، قدموا في سبيل تطهيرها من تنظيم "داعش" الإرهابي، ما يقرب من 10 آلاف شهيد و25 ألف جريح.

للأسف، أن الاتفاق الذي أبرمه "ترامب -أردوغان" منذ شهور، بمباركة "روسية - إيرانية" كان يقضي بمنح الأتراك منطقة الشمال السوري، في مقابل تدخلها لإنهاء كارثة آلاف المتطرفين الذين يدينون بالولاء والفضل لـ"أردوغان" في "إدلب" غير أنهم جميعا أدركوا أن أمر "إدلب" أصبح يفوق قدرة الرئيس التركي، فعادوا بزعامة أمريكية وباركوا بيع الشمال السوري له وفقا لشروط مجهولة، البسوا بموجبها "الاحتلال" ثوب "الشرعية".

خلاصة القول، إننا نعيش في مجتمع دولي ظالم، يستطيع بمنطق القوة أن يقلب الحق باطلا والباطل حق، وأنه ليس هناك عقل في الكون من الممكن أن يستوعب أن تمنح دولة أرض لا تملكها لدولة أخرى تحت مسمى "تأمين الحدود" وأن ما تم في منطقة الشمال السوري لا يمكن تسميته سوى بـ "احتلال" والبلطجة.

أؤكد أن ما فعله الأمريكان والأتراك سوف يرسخ لواقع جديد على الحدود السورية التركية، وأنه لا نية لدى كل القوى التي تمتلك أوراق اللعبة في التحرك بشكل جدي لعودة الاستقرار إلى سوريا، كما أنه لا نية لدى الأمريكان والروس والإيرانيين في ترك الأراضي السورية، ولا نية أيضا لدى الأتراك في الانسحاب في القريب العاجل من منطقة الشمال السوري.

يقيني، أن كل القوى الأجنبية على الأراضي السورية جميعها "احتلال" وأنه لا خيار أمام "قوات سوريا الديمقراطية، والجيش الوطني السوري، ومعهم كل السوريين" لعودة بلادهم، في ظل ضعف ووهن الدولة المركزية سوي "المقاومة" والانتفاض في وجه كل تلك القوى، حتى وإن خاضوا في سبيل ذلك "حرب استنزاف" طويلة الأجل، أو قدموا في مقابل حريتهم نصف شباب سوريا.. وكفى.
الجريدة الرسمية