رئيس التحرير
عصام كامل

مقترحات الأحوال الشخصية.. كله حلو حلو


تتصاعد تباعا الحرب الإعلامية والصراعات المجتمعية وتتلاعب معهما جماعات المصالح بمستقبل الأسر المصرية؛ وتعلو أصوات الكيانات الاستشارية الثانوية، فى الحديث عن قانون جديد للأحوال الشخصية؛ أو تعديلات لقانون قائم، وسط صمت وصراع مكتوم داخل البرلمان.


تظهر كل فترة؛ مقترحات أعضاء بتعديل القانون أو بعضا منه؛ لأجل فرقعة إعلامية وجس نبض الشارع، ويتحايل نواب على كارثة غيابهم الرقابي والتشريعي بظهور ومزايدة على هموم الناس؛ لإدراكهم أن حديثا هزليا أو جادا فى كارثة القانون الحالي؛ سيجمع حولهم ملايين الأسر تهتم بهم وتدفعهم إلى منصات التواصل والحوارات المتلفزة.

تخرج نائبة منادية بعقاب للرجل بسبب زيجة ثانية أو عرفية؛ وتطلب أخرى اقتسام أمواله مع امرأته حال انفصالهما كمكافأة عن "نهاية خدمة"، وتعلو ثالثة بسقف مكتسبات المطلقات لتشمل ما يترك عند مخالعتها زوجها مع احتفاظها بشقة الزوجية مدى الحياة، فتصفق لهن نساء.

يظهر نائب؛ مطالبا بحصر حق المخالعة فى العجز الجنسي؛ وآخر يروج لمطلب خفض سن الحضانة مع إقرار ما تسمى زورا ب"الاستضافة" للطفل لدى الطرف غير الحاضن، ويزيح ثالث الستار عن كشف عبقري جديد يتمثل فى السماح بتعدد الزوجات دون حق التطليق للضرر للأولى، فيهلل له رجال ومعهم نساء غير حاضنات.

يتقدم نائب بمقترح يتيح صلات عائلية كاملة لطفل الشقاق لا تتوقف عند أحد والديه وتمتد للجدين والأعمام والخالات والعمات فى حياته، ويتصدر هاشتاج "الأب بعد الأم فى ترتيب الحضانة" بعد مقترح نائب بذلك، ثم يذهب آخر لترجيح حشر أم الأم أو أم الأب بين الأبوين بنفس الترتيب، فتقوم الدنيا ولا تقعد.

تناقش منظمات ومجالس نسوية مزيدا من المكتسبات للمطلقات على حساب الرجل والطفل والمجتمع؛ انطلاقا من إيمان ناشطات بحصر دوره فى "التلقيح والإنفاق" بعد استثمار فى ماله وعقاره، ثم يرفضن تصورات بضرورة تقدمهن للبرلمان بطلب سن تشريع يتيح إنشاء بنوك للحيوانات المنوية لمنح مثيلات "السينجل مازر" حقهن فى اعتزال الرجال لحساب طفل بحياتهن، مع تشريع مماثل يضمن مستقبلا حقوق "السينجل فازر" فى استئجار الأرحام كرها فى نسوة، ولا يتعامل البرلمان مع هؤلاء وأولئك بجدية.

نواب فى البرلمان؛ وأبرزهم الدكتور محمد فؤاد؛ تجد حديثهم عن إعداد مقترح بمشروع قانون متكامل للأحوال الشخصية والأسرة، تُعطل لجان وشخصيات نيابية مناقشته؛ لعذر أقبح من ذنب، وهو انتظار آراء كيانات استشارية تخرج على المجلس بمشروعات قوانين كاملة، تبدو وكأن لهجتها متهددة متوعدة نوابه حال رفضها.

بينما هذه المأساة مستمرة فى عرضها للعام الخامس على التوالي؛ تظل معاناة الملايين من الأطفال والأمهات والآباء مع فشل تشريعي فى إصلاح حقيقي لواقع مرفوض، وسط استشعار مجتمعي للحرج من الحديث عن حصاد الحكومة وأطراف بمنظومة التقاضي من بقاء الحال على ما هو عليه؛ وإنفاق الأسر الممزقة مليارات الجنيهات على وهم استرجاع حقوق ضائعة.

حينما سألت صديقا نائبا بالبرلمان عن قيمة بدل حضور الجلسة الواحدة؛ أكد لى أنه يساوى ٢٥٠ جنيها؛ ويمكن للنائب حضور جلسات متعددة تحت القبة مع تمثيله فى لجان مختلفة، لكنه تحفظ على ذكر قيمة بدلات السفر والتمثيل بلجان خارجية أو تقصى حقائق وغيرها.

كان ردي المثالي على معلوماته يتضمن اعتذارا لفرقة "المرزعجية" ومطرب الواقعية المأسوية المعاصرة "كزبرة" ورفاقه؛ خاصة وأن كل المقترحات تستدعى التفكير البرلماني فعليا فى الإسراع بمناقشتها؛ مع تباين وجاهتها.

"كزبرة" ورفاقه؛ نرى معهم يا سيادة النائب أن "كله حلو حلو.. وإحنا بألف خير.."، "وأنتم بألف جنيه" تدركون أن هذا المبلغ يغطي حضوركم ٤ جلسات لمناقشة كافة التصورات لصياغة قانون عادل لحماية الأسرة والمجتمع، لكنكم تتراجعون أمام إرادة لا تعلنون عن هويتها، فتركتم المجتمع فى "ألف خير" معتزلا التفكير فيما تروجون له من دور فى دعم حقوق الإنسان والمواطنة.

صراحة؛ يحتاج البرلمان الحالي لدراسة متأنية لمكونه الفكري والسياسي لتفسير وفهم ما يفعله بنا فى أمر التشريعات الاجتماعية تحديدا؛ وليس أقل من إعادة تقييم تجربتنا كناخبين فى طريقة اختيار أعضائه عبر الصناديق، وإعادة تقييم الرئيس للشخصيات المعينة به؛ بحسب صلاحياته الدستورية، فكما نطالب رئيس حكومة بضم وزير له رؤية ومشروع لحقيبة مرشح لها؛ ففرض عين على أنفسنا مناقشة كل "عبده مشتاق" حول مبرر طلب تواجده تحت قبة البرلمان متحملا مهمة الرقابة والتشريع؛ ما لم يكن مؤهلا لها أو يبدو متراخيا فى أدائها أو جاهلا بأدواته النيابية؛ فيضرب بضعفه ما تبقي لدينا من قوة.

الجريدة الرسمية