رئيس التحرير
عصام كامل

يحدث في الأتوبيس "أبو 7 جنيه"


>> هذا المشهد تكرر أمام عينى، حيث كنت أستقل أتوبيس نقل عام تذكرته 7 جنيهات جالسا من أول الخط.. وهالنى وأفزعنى ما شاهدته من رد فعل ركاب كثيرين كانوا يصعدون للأتوبيس ثم يقررون النزول بعد أن يصعقهم ويصدمهم سعر التذكرة، آه والله يا مؤمن 7 جنيهات "حتة واحدة" بعد أن كنا نركبه حتى وقت قريب بـ"نص جنيه"..


وهو بالمناسبة غير مكيف ولا يقدم أي ميزة إضافية لركابه ويرتاده الباعة الجائلون الذين يلقون الأمشاط والفلايات على أجساد الركاب، ورأيت بعينى أيضا ركابا آخرين ساخطين يتجادلون ويشتبكون مع الكمسارى، وكأنه مسئول عن ارتفاع قيمة التذكرة إلى هذا الحد ويطلقون جملا اعتراضية على الغلاء الفاحش.

هؤلاء الركاب يرتدون ملابس تدل على انتمائهم لما كان يسمى بالطبقة تحت المتوسطة، لكنهم انتقلوا إلى طبقة الفقراء الذين أصبحت ميزانيتهم الشهرية تنوء بدفع 7 جنيهات في تذكرة أتوبيس مملوك للأسف للدولة وليس للقطاع الخاص. بالمناسبة هذا السيناريو أراه بعينى في كل مرة أستقل فيها هذا الأتوبيس منذ رفع سعر تذكرته مطلع يوليو الماضى من خمسة إلى سبعة جنيهات بعد آخر رفع لأسعار البنزين. باختصار.. هذا ما فعله التعويم بغالبية الشعب.

>> قمة العجب العجاب في مترو أنفاق القاهرة الكبرى.. صوت نداءات الباعة الجائلين في العربات يغطى ويشوش على صوت النداء الآلى على المحطات باللغتين العربية والإنجليزية، وأحيانا تجد 3 و4 بائعين في عربة واحدة وكأننا في سوق عكاظ، ينتشرون ويتنقلون بكل أريحية بين العربات في كل محطة يتوقف فيها القطار، ويبيعون أمشاط وفلايات وبطاريات ولعب أطفال وأدوات مدرسية و"شفاشق وكوبايات"، أحدهم يبيع أحزمة فيطبق تمرين "العُقلة" على أعمدة العربات الحديدية ويعلق نفسه في الحزام الذي يبيعه لإثبات مدى قوة تحمله، وآخر يطلق النكات الساخرة للتعبير عن غيظه وللترفيه عن الركاب عندما يخرج من العربة "بلا حمص".

ياسادة.. لايجب أن نلوث وجه مرفق حضارى على الطراز الأوروبي بالسماح بهذه الفوضى وهذا التناقض العجيب.

>> صدمنى تصريح "طارق عامر" محافظ البنك المركزي يوم الخميس الماضى، يقول فيه إن مصر تناقش تعاونا جديدا محتملا مع صندوق النقد الدولي لمساعدتها في تنفيذ إصلاحات هيكلية، عندما ينتهي برنامجها الحالي مع الصندوق الشهر القادم.

يا سيدى.. لا نريد أي تعاون مجددا مع هذا الصندوق الذي تستهدف قروضه إفقار الشعوب وإذلالها، لا يريد المصريون رؤية وجه هذا الصندوق ولا وجه أي من مسئوليه مجددا، ويجب البحث عن حلول لأزماتنا المالية بعيدا عنهم.

ألا يعلم "عامر" أن قرض الصندوق هذا -12 مليار دولار حصلت مصر على أول دفعة منه في نوفمبر 2016 - هو الذي أفقر المصريين، وجعلهم يعانون ويئنون من ضيق العيش، وهو الذي تسبب بانخفاض حاد في قيمة الجنيه، وتسبب في ابتداع ضريبة القيمة المضافة، ورفع أسعار الوقود، وبالتالى ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات 4 أضعاف دون أن يقابلها أي زيادة في الرواتب.

أظن أن تكرار قرض صندوق النقد في حاجة إلى مراجعة، وأظن أن سياسة الاقتراض لا يجب أن تكون منهجا للحكومة في حل كل أزمات مصر المالية.

وأكرر.. تعلموا من "مهاتير محمد".. العبقرى الذي جعل ماليزيا أحد أنجح الاقتصادات في العالم، فقد رفض -أثناء الأزمة المالية في بلاده– وصية صندوق النقد بتعويم الرنجت "عملة ماليزيا"، ورغم ذلك نجح- خلال الفترة التي تولى فيها رئاسة حكومة بلاده من 1982 إلى 2003- في خفض نسبة المواطنين تحت خط الفقر من ٥٢% إلى ٥%، ورفع متوسط دخل المواطن من ١٢٤٧ دولارًا إلى ٨٨٦٢ دولارًا "سبعة أضعاف"، وخفض البطالة إلى ٣%.

>> نريد في مصر مجتمع قانون، لا دولة قانون، فالقوانين ما أكثرها في بلدنا، غير أن أدوات تنفيذها وإعمالها وتفعيلها غائبة، وبالتالى فقدت هيبتها وتجردت من فاعليتها وصارت حبرا على ورق.

لقد أنجز البرلمان الحالى مهمة تغيير وجه مصر التشريعى، وأجرى عمليات تحديث وإصلاح لقوانين عفا عليها الزمن، كانت موجودة وسارية ومعمولا بها منذ العشرينات والثلاثينات، حتى أن بعض مبالغ الغرامات في بعض أنواع الجرائم كانت لا تتعدى بضعة قروش.

ولكن رغم غابة التشريعات التي تم إقرارها مؤخرا.. توجد ملايين الأدوار والشقق والمحال المخالفة، عشرات منها فقط تم هدمه أو تحرير مخالفات له، ملايين من سائقى السيارات الملاكى والأجرة يسيرون عكس اتجاه المرور ولكن عشرات فقط يتم ضبطهم، مئات الآلاف من المقاهى احتلت الأرصفة وأغلقت الشوارع ولكن عشرات منها فقط تم غلقها، ملايين التكاتك تسير في الشوارع بأريحية بدون رخصة ولكن عشرات منها فقط التي يتم مصادرتها، باعة المخدرات يمارسون تجارتهم في أماكن معروفة ولا يتم ضبط الكثير منهم، مئات الآلاف من الأطفال يقودون مركبات في الشوارع ولكن لا أحد يضبطهم.

الأزمة في مصر ليست في غياب التشريعات فما أكثرها، الأزمة في الإنفلات المجتمعى الذي يتجاهل عقوبات التشريعات وكأنها غير موجودة.

>> ليس مهما قيمة التخفيض في سعر لتر البنزين الذي بدأ تطبيقه من أول أمس، المهم هو دلالته ومعناه، هو خطوة من الدولة للخلف في مواجهة شعب أصبح صوت أنينه من ضربات الغلاء المتواصل مسموعا.

>>.. ورحل فارس من فرسان الكلمة في مصر.. رحم الله "سليمان الحكيم" الذي فقدته الصحافة المصرية، فقد كان شخصا كالنسمة الرقيقة التي تداعب النفوس وتسرى عنها، حينما تتحدث معه تسعدك كلماته وقفشاته وتدخل عليك البهجة، يمتلك قلما ساخرا يتوافق مع خفة ظله وروح الدعابة التي تميز بها.. سلاما لروحك الطاهرة يا أستاذ.

الجريدة الرسمية