رئيس التحرير
عصام كامل

لماذا اتجهت روسيا للشرق؟


بعد عام من ضم شبه جزيرة القرم للاتحاد الروسي، أنشأت روسيا المنتدى الاقتصادي الشرقي في عاصمة الشرق الروسية "فلاديفوستوك". فكان عام 2015 انطلاقة روسية نحو دول شرق آسيا من أجل تقليل تأثير العقوبات الغربية الاقتصادية على الاقتصاد الروسي.


ففي بداية سبتمبر القادم سيبدأ منتدى الشرق الخامس في فلاديفوستوك، وهذا المنتدى أصبح وجهة مهمة لرواد الأعمال ليس فقط في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وإنما هناك اهتمام كبير به من جانب رجال الأعمال الغربيين حتى من داخل الولايات المتحدة.

فإذا نظرنا للدورة الرابعة من هذا المنتدى في عام 2018، سنجد الحضور الكبير الذي وصل لستة آلاف مشترك من 59 دولة، يمثل ثلاثة أضعاف الذين حضروا في أول دورة في 2015. إذن هناك تزايد الاهتمام المستمر لهذا المنتدى لوقوعه في منطقة غنية جدا بالمواد الأولية في روسيا ولقرب هذه المدينة من الحدود الصينية والحدود اليابانية وقربها من شبه الجزيرة الكورية.

ففرص المشاريع الاستثمارية داخل أروقة هذا المنتدى كبيرة، فقد تم توقيع أكثر من 220 اتفاقية بقيمة تفوق 45 مليار دولار في دورة 2018، وأيضا في الدورات السابقة تمت مناقشة مشاريع في منطقة القطب الشمالي، وهي منطقة جيوبوليتيكية وجيو إيكونوميكية هامة جدا للدول العظمى ولرجال أعمالها خصوصا في مجال التعدين وصيد الأسماك.

فكان هذا المنتدى فرصة كبيرة للاقتصاد الروسي أن يتخلص من التبعية الغربية وأن يكون له علاقات ليس فقط مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بل أن ينوع هذه العلاقات مع إقتصاديات كبيرة مثل الاقتصاد الياباني والاقتصاد الصيني.

فمن خلال هذا المنتدى وقعت شركة "روس نفط" الروسية مع مجموعة "بكين للغاز" عقد إنشاء سلسلة من محطات تموين الغاز للسيارات في روسيا. ووقعت شركة "غاز بروم" العملاقة الروسية مع شركة "ميتسو آند كو" اليابانية عقد إنشاء محطة إسالة للغاز في منطقة بحر البلطيق.

وهذا دليل على أن الشركات الصينية واليابانية لا تخاف من سياسة العقوبات الغربية على روسيا، حتى الشركات الأمريكية مثل "دوراسيل" تستثمر الآن في السوق الروسية بالرغم من زيادة حدة العقوبات من جانب إدارة "دونالد ترامب" على الاقتصاد الروسي.

منتدى الشرق الاقتصادي الخامس، يبدو أنه سيكون له أهمية هذا العام خصوصا في فترة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، فشركة "هواوي" الصينية سيكون لها حضور في هذا المنتدى وسيتم مناقشة التعاون مع روسيا في المجال التقني، وأيضا هناك نية لإعطاء فرصة لأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة في المشاركة في هذا المنتدى، والذي سيفتح مجال كبير لرجال الأعمال في المنطقة الاقتصادية الحرة في فلاديفوستوك وفي ميناء فلاديفوستوك.

ففي فترة العقوبات الغربية الاقتصادية على الشركات الكبرى الروسية والتي حجمت من قدرة هذه الشركات، سيكون دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في المشاركة في المشاريع الاقتصادية في هذه المنطقة المهمة الاقتصادية. ومن المعلوم أن أيسلندا لأول مرة ستشارك في هذا المنتدى من أجل التعاون في مشاريع مشتركة في منطقة الشرق الأقصى الروسية، بشكل خاص في منطقة كامتشاتكا الروسية.

فيشتمل برنامج أعمال المنتدى هذا العام على أربعة مجالات رئيسية: "حلول جديدة لتسريع النمو الاقتصادي"، و"تهيئة الظروف للأعمال"، و"الشرق الأقصى وآسيا والمحيط الهادئ: تطوير فرص للتعاون"، و"حلول جديدة لتحسين نوعية الحياة". بالإضافة إلى ذلك سيتضمن البرنامج حوارات تجارية في أشكال "روسيا-الصين"، "روسيا-اليابان"، "روسيا-الهند"، "روسيا-آسيان"، "روسيا-جمهورية كوريا"، كما ستعقد اللجنة الحكومية الدولية الروسية- السنغافورية رفيعة المستوى اجتماعات على هامش هذا المنتدى.

فكما ذكرنا في مقالات سابقة أن الكرملين لديه سياسة بدأها منذ فترة وأسمينا هذه السياسة "الدبلوماسية الاقتصادية الروسية"، وأن هذه السياسة تهدف في الأساس إلى تنوع العلاقات الاقتصادية لروسيا، وجعل روسيا وجهة للشركات الدولية التي تريد الاستثمار مع الشركات الروسية من أجل التغلب على تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية.

إلا أن اليوم يمكن لنا القول أن هذه السياسة أصبح بالفعل لها مردود اقتصادي كبير، خصوصا وأن المستهدف من هذا المنتدى بشكل خاص عمالقة آسيا الاقتصاديين (اليابان، الصين، الهند، كوريا الجنوبية وسنغافورة) وجميع هذه الدول لديها مصالح كبيرة خصوصا مع روسيا، فيما يخص المنطقة الاقتصادية في القطب الشمالي.

حيث إن هذه الدول لا تقع على القطب الشمالي وإنما الأراضي الروسية ستمثل موضع القدم لها على هذه المنطقة المهمة جدا، بالإضافة إلى وجود فراغ كبير في منطقة الشرق الأقصى الروسية وهذا الفراغ يمثل حافز مهم بشكل خاص للشركات الصينية لملء هذا الفراغ الاقتصادي في هذه المنطقة الغنية. لذلك يمثل عمالقة آسيا الاقتصاديين بديل مهم للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للاقتصاد الروسي.
الجريدة الرسمية