رئيس التحرير
عصام كامل

كهربا وقفشة وساهر!


معظم الشباب يعلم من هو "كهربا" و"قفشة" أما "ساهر" فلم ولن يعرفوا عنه شيئا، "كهربا" و"قفشة" يلعبان كرة القدم، لا أعلم مؤهلاتهما الدراسية التي غالبا ما تكون متوسطة أو أقل ولكنهما يتقاضيان ملايين الجنيهات، أنا شخصيا لا أتابعهما ولا غيرهم ولا أتابع الدوري المصري منذ سنوات، ولا أحب أصلا الكتابة في الرياضة، فما أكثر كُتابها وقنواتها ونقادها، كما أن لدينا من المشكلات والهموم في كل المجالات ما يستحق الاهتمام وهي أولى بالكتابة وتسليط الضوء عليها.


كرة القدم عندنا ضجيج بلا طحين، فليس لدينا كرة قدم بمعناها الحقيقي مثلما نشاهد في الدوريات الأجنبية، ومعظمنا يتابعها الآن والمفترض أن الرياضة أخلاق وأدب وتسهم في الارتقاء بالذوق العام وهي وقاية للشباب من الانحراف، والعاملون في مجال كرة القدم يجب أن يكونوا قدوة تحتذى، ولكن للأسف الشديد والشديد جدا، أن معظم المتصدرين للمشهد الرياضي هم أسوأ النماذج، وسمعتهم غير طيبة ولا نسمع عن هذا المجال سوى قضايا الفساد والرشاوى والتلوث الأخلاقي.

كرة القدم في العالم صناعة ينفق عليها الملايين وتربح المليارات وتسهم في الدخل القومي للدول ولنا في البرازيل والأرجنتين خير مثال، بل هناك اقتصاد دول يعتمد بشكل مباشر عليها مثل إسبانيا وإنجلترا، حيث تسهم في خلق آلاف فرص العمل وجذب ملايين السائحين، فلا يوجد زائر لإسبانيا لا يذهب إلى ملعب برشلونة أو ريـال مدريد، ويدفع أموالا كثيرة من أجل جولة في الملعب أو صورة في غرف اللاعبين، وشراء ملابسهم، كما أن الأندية هناك لها دور اجتماعي في رعاية مؤسسات خيرية.

ومباريات كرة القدم هناك تقام دائما في أيام الإجازات الرسمية حتى لا تعطل عن العمل، وتكون فرصة للمواطنين وأسرهم بالاستمتاع بها من المدرجات، وكأنها نزهة أسبوعية والاستادات تحفة فنية ومجهزة للاستقبال عشرات الآلاف، وتوفر لهم كل وسائل الراحة والترفيه.

عودة إلى عنوان المقال "كهربا" و"قفشة" وغيرهم من اللاعبين مشاكلهم تتصدر الإعلام، ويتقاضون ملايين الجنيهات بلا فائدة على البلاد، (حتى أنهم يتهربون من سداد الضرائب لأن ما يكتب في عقودهم غير ما يحصلون عليه فعليا)، هذه الملايين جعلت معظم الأسر المصرية تكفر بالتعليم وبكل ما هو عمل جاد ومفيد، وأصبح منتهى أمل أي مواطن أن يرى نجله لاعب كرة قدم حتى في ناد مغمور.

أما "ساهر" فهو مهندس زراعي يحمل ملامح التربة المصرية الأصيلة، يعيش بالصعيد وفي منتصف الأربعينيات من العمر، ويطلقون عليه لقب عاشق التنمية في الصحراء، يسخر حياته وتفكيره في البحث عن طرق جديدة للزراعة والري، وفي حالة نجاحها وتعميمها سوف تكون إنجازا كبيرا يحقق استفادة عظيمة للبلد لا تقدر بثمن.

المهندس "ساهر محمود" صاحب تجربة فريدة وهي زراعة قصب السكر في الصحراء، وبالتنقيط، فمن المعروف أن القصب من المحاصيل الشرهة في استخدام المياه ويزرع فقط في الأرض الطينية بالصعيد وبنظام الرى بالغمر، ولكن تجربة "ساهر" قد تحدث انقلابًا في عالم الزراعة، لأنها سوف تسهم في زيادة الإنتاجية بنسبة 30% وترشيد استخدام الأسمدة والمياه بنسبة 50%، وفي حالة تعميم التجربة بالوادي والدلتا سوف يوفر لمصر مياه بمليارات الأمتار..

وهذا هو التحدي الكبير الذي يواجهنا حاليا، وأيضا ترشيد استهلاك الأسمدة والمبيدات وبالتالي وقاية المواطنين من الأمراض.
"ساهر" أيضا سوف يعلن قريبا عن نجاح تجربة جديدة في زراعة القصب والقطن بنظام الشتلات، وهذا أيضا إنجازا مهما يوفر 90% من التقاوي ويسهم في زيادة الإنتاجية، بالإضافة إلى قيامه بتأليف كتاب حول كيفية ترشيد المياه..

كل هذا يفعله المهندس المصري الأصيل، وينفق عليه من أمواله الخاصة، وسط تجاهل الإعلام المشغول "بكهربا" و"قفشة".

الدكتور عزالدين ابوستيت وزير الزراعة واستصلاح الأراضى سافر إلى محافظة المنيا خصيصا لمشاهدة تجارب هذا الشاب على أرض الواقع حتى يمكن تقيمها والاستفادة منها، أتمنى أن يسعى الإعلام إلى مثل هذا النموذج المحترم ويسلط عليها الضوء، لأنهم نجوم المجتمع الحقيقيون وبدونهم لن تستمر الحياة، وتحيا مصر.
egypt1967@Yahoo.com
الجريدة الرسمية