رئيس التحرير
عصام كامل

كيف أصبحوا أفضل منا في كل شيء؟


كنا ننظر إليهم بـ "استعلاء" ونتعامل معهم بـ"دونية". كانت هذه مشاعرنا الحقيقية، وإن أخفيناها، أو تكتمنا عليها بدرجات متفاوتة.

عقولنا القاصرة كانت توهمنا أننا أفضل منهم في كل شيء. كنا نسخر منهم، ونطلق عليهم النكات. ولكن دارت الأيام دورتها، وتبين لنا -علميًا وحرفيًا- أننا كنا مغالين في تعظيم أنفسنا، واحتقار غيرنا والتهوين من شأنهم.


أقصدُ -بما تقدمَ- اللاعبين الأفارقة من أصحاب البشرة السمراء، الذين كنا نظن أنفسنا خيرًا منهم شكلًا وعقلًا وذكاء وفى كل شيء. هكذا كانت دول الشمال الأفريقى، ومن بينها مصر، ومعها: الجزائر وتونس والمغرب، تنظر إلى الرياضيين من الغرب والجنوب الأفريقى.

ولكنَّ المواقف العملية أثبتت أن أصحاب هذه النظرة الدونية، التي تعكس قصورًا أخلاقيًا رهيبًا، واهمون، ويعانون عنصرية بغيضة، ولَّى زمانُها وأدبرَ.

الأيام الأخيرة بينت أن الرياضيين في أفريقيا السوداء، صاروا أفضلَ في كل شيء، ولا سيما في الروح الرياضية، والتعامل مع الخصم، وكيفية التصرف وقت الخسارة، وأن خسارة بطولة ليست نهاية المطاف، فهذه حال الرياضة، وما يتبقى هو الأخلاق الرفيعة والتعامل مع كل الظروف بإنسانية ومثالية.

في المباراة النهائية لبطولة الأمم الأفريقية لكرة القدم، التي استضافتها مصر مؤخرًا، فاز المنتخب الجزائرى الذي ينتمى إلى الشمال الأفريقى، وخسر المنتخب السنغالى، الذي ينتمى إلى أفريقيا السوداء، فكيف تصرف الطرفان، وكيف تعاملا مع الموقف؟

على صعيد اللاعبين.. التزم لاعبو المنتخب السنغالى، بقيادة لاعبهم الأشهر "ساديو مانى" بأعلى درجات الروح الرياضية، رغم أنهم كانوا الأقرب للفوز، ولم يحتجوا على الحكم الذي تغاضى عن ضربتى جزاء صحيحتين كانتا كفيلتين بحسم المباراة لمصلحتهم، وصافحوا المسئولين الرياضيين والحكوميين الذي اصطفوا لتحيتهم، ولم يحدثوا أية تلفيات لحظة مغادرتهم ملعب المباراة، ولم يرتكبوا هم وجماهيرهم أية حماقة عند مغادرتهم القاهرة وعودتهم إلى بلادهم.

في المقابل.. فعل المنتخب الجزائرى، لاعبين ومدربًا، العكس تمامًا، رغم أنهم من فازوا وحققوا بطولة لم يحققوها في تاريخهم سوى مرة واحدة. فها هو قائد المنتخب الجزائرى "رياض محرز"، يتعمد عدم مصافحة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، في مشهد شديد الغباء والحمق، ويخاصم أدنى درجات الأدب. كما سخر المدير الفنى "جمال بلماضى" من الجماهير المصرية التي ملأت إستاد القاهرة لتشجيع لاعبيه، بعدما خيب المنتخب المصرى، ظنونهم، وأهدر أحلامهم مبكرًا جدًا.

وفى مطار القاهرة.. ارتكب نحو ألف مشجع جزائرى، كل صور وألوان الشغب والخروج عن اللياقة والأدب والجحود ونكران الجميل، ما تحول إلى ذريعة لبعض الدول التي لا تريد الخير لمصر، لتوقف رحلاتها الجوية إليها، وما يستتبع ذلك من آثار سلبية، لا ينكرها أحد.

دعونا نعترف أننا - نحن المصريين- كنا عنصريين أيضاَ، عندما جيَّشنا الإعلامَ الرياضى "الموجَّه"، لتوجيه الجماهير، لتشجيع المنتخب الجزائرى "المشاغب"، على حساب المنتخب السنغالى "المؤدب"، رغم ما طالنا من الجزائريين -على المستوى الرياضى- من سخافات وتجاوزات، لن ينساها التاريخُ.

الشاهدُ في الأمر.. أن الرياضة، بجميع مفرداتها، تقدمت في أفريقيا السوداء. الأمر لا يقتصر على الجانب المهارى والبدنى فقط، بل يمتد إلى "الروح الرياضية"، التي يطبقونها حرفيًا، فلا يتعمدون إلحاق الأذى بلاعب، ولا يتطاولون على حكام المباراة، ولا يطلقون الاتهامات جزافًا.

وفى المقابل.. انحرفت الرياضة في دول الشمال الأفريقى عن مسارها الصحيح، وصارت الملاعب ساحات للمعارك.

أرجوك - عزيزى القارئ- ألا تتساهل في الأمر، وترجع هذا التطور الإيجابى الشامل للاعبى أفريقيا السوداء، بأنهم أصبحوا منفتحين على العالم، وصاروا يحترفون في الأندية الأوروبية، فتغيرت سلوكياتهم إلى الأفضل. هذا خطأ، العكس هو الصحيح تمامًا، فلاعبو الجزائر وتونس والمغرب أقرب إلى أوروبا من غيرهم. كما أن الروح الرياضية المثالية لا تغيب أيضًا عن اللاعبين الأفارقة المحليين.

والأهم من ذلك كله.. هو أن اللاعبين الذين كنا نسخر منهم من قبل ذلك، أصبحوا أكثر وطنية وإخلاصًا للدفاع عن سمعة بلادهم حتى آخر لحظة، وليس مثل لاعبى المنتخب المصرى، الذين فرطوا في بطولة، كانت هي الأقرب إليهم، على مستوى الملعب والجمهور، ولكن الانشغال بتوافه الأمور، أضاع كل شيء، وأهدر كل شيء.
الجريدة الرسمية