رئيس التحرير
عصام كامل

معارك الكبار!!


في الماضي كنا متسامحين ولدينا من سعة الصدر ما جعلنا نقبل ونناقش كتاب "لماذا أنا ملحد"، ونقبل كلمات "بيرم" عن القبلة التي إن كانت للملهوف يأخذها بدل الواحدة ألوف، دون أن يتم جرجرتهم للمحاكم، حتى "طه حسين" في كتابه في الشعر الجاهلي تفاعل معه المجتمع، وتقبله..


ومن أشهر المعارك ما خاضه الدكتور "زكي مبارك" ضد "أحمد أمين" حين كتب "أحمد أمين" سلسلة مقالات عنوانها "جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي"، ورد عليه الدكتور "زكي مبارك" بسلسلة صواريخ حملت عنوان "جناية أحمد أمين على الأدب العربي"، تلك معارك كان القلم سلاحها الوحيد.. وضحاياها يتساقطون بلا دماء.. إحدى أبرز مظاهر الزمن الجميل للثقافة العربية..

فبينما كانت كوكب الشرق والعندليب الأسمر يصدحان بأغانيهما العذبة الممزوجة بهتافات الجمهور الصاخبة، كانت الصحف المصرية تشهد صخبًا موازيًا لمعارك حقيقية.. تغلب عليها سمة فرسان القرون الوسطى عندما جعلوا للمبارزة شرفًا وللموت قانونًا.

كانت تلك المعارك تقليدية يتقابل فيها الفارسان وجهًا لوجه قبل أن يصوِّب كل واحد منهما سلاحه في وجه الآخر.. القلم كان السلاح الأمضى وصفحات الصحف والمجلات كانت ساحة المعركة التي تستمر لجولات طويلة وتستعر نيرانها بعد كل جولة قبل أن تعقد الأحلاف وتفتح الجبهات على هذا أو ذاك من المتعاركين...

ولكن ذلك كان عصرا من الرقي والحيوية عندما كان السندباد المصري الدكتور "حسين فوزي" يرتاد بنا آفاقا مجهولة عن( المزيكا).. و"بيرم التونسى" يملأ الميدان ويغزو الوجدان الشعبي بأزجاله وأغانيه ومواويله.. كما كان "يوسف السباعي" يكتب "السقا مات" و"أرض النفاق".. ومحمد عبد الحليم عبد الله يبدع "اللقيطة" و"بعد الغروب".. بينما كان مسرحا "الريحاني" و"رمسيس" يعرضان علينا المضحك المبكي من مهازل الأوضاع ومآسي الطبقية.. كما كان "خالد محمد خالد" يكتب "من هنا نبدأ".

وفِي الغناء بدأت المنافسة بين العملاقين "أم كلثوم" و"عبد الوهاب" في العشرينيات عندما كان يغنيان، واستمرت المنافسة بين كوكب الشرق وموسيقار الأجيال لما يقرب من 40 عاما، حتى التقيا خلال أحد أعياد الثورة، وتصادف وجود "عبدالوهاب" مع "أم كلثوم" أثناء تحية الزعيم "جمال عبدالناصر"، وبمجرد أن شاهدهما الرئيس اقترح أن يتعاونا معا في عمل فنى، وجاء التعاون بينهما والذي عرف بلقاء السحاب عام 1964 في أغنية «أنت عمرى» التي كان من المفترض أن يغنيها "عبدالوهاب"، لكنه أعطاها لـ"أم كلثوم"، وحققت نجاحا كبيرا ليتعاون القطبان بعدها في 10 ألحان.

لا يمكن المقارنة بين الرقى والانحدار، القمة والقاع، الطرب والتلوث السمعى، التنافس الفنى الذي يتحول إلى نغمات وألحان وأصوات ترفعك إلى السماء وخناقات النواصى التي تسمع فيها أحط الألفاظ والتعبيرات.. هكذا هو الفارق بين تنافس أهل الغناء وعمالقة الطرب وبين معارك صغار المدعين على الفن والغناء الذين تضخموا بفعل السوشيال ميديا فأفسدوا الذوق العام..

وحولوا الغناء إلى ساحة ردح مباح فيها استخدام كل الأسلحة لتشويه الخصوم، وارتكاب جرائم في حق الفن، كما حدث مؤخرا عندما انشغل الكثيرون بمعارك واهية افتعلها من يطلقون على أنفسهم كذبا فنانين، واستخدموا فيها منصات السوشيال ميديا واستغلوا جنون التريند في معارك لا ترقى إلى مسمى المعارك الفنية، ولا يمكن وصفها بالتنافس الشريف، فهى أقرب إلى حرب الشوارع وخناقات الحوارى التي يستخدم فيها الخصوم الألفاظ الخادشة والبذيئة والبلطجة فتحتشد هذه الخناقات بالبشر بين مشارك ومتفرج ومشجع.

وشتان بين التنافس الفنى في زمن العمالقة وبين المعارك التي يفتعلها المدعون، بين سباق كوكب الشرق وموسيقار الأجيال وفريد الأطرش والعندليب وغيرهم من نجوم الزمن الجميل وبين خناقات حمو بيكا وشطة والأسد والقطة ونمبر وان.
الجريدة الرسمية