رئيس التحرير
عصام كامل

مذكرات موسى صبري (5)


كيف وصل هيكل لعقل الزعيم؟

في الحلقة الماضية انتهى "موسى صبري" من الكشف عن "هيكل" ما قبل ثورة يوليو، ليبدأ فصله الجديد بعلاقة "جمال عبد الناصر" بـ"محمد حسنين هيكل"، تلك العلاقة التي جلبت للأخير كثيرًا من الحظ، كثيرًا من الحسد، وكثيرًا من الجرائم أيضًا، ذلك إن كنا سنتحدث بصدق، لكن المضحك أن "موسى صبري" ينتقد ما فعله بنفسه وربما بكفاءة أقل وخضوع أكبر مع "السادات".


لكن من أين يبدأ "موسى صبري" بالقصة؟
لقد بدأها بأن قصة تعارف "هيكل" مع "عبد الناصر" في حد ذاته قصة مشكوك فيها ولقد رواها "هيكل" نفسه في روايات مختلفة، مستندًا لما قاله الصحفي "رشاد كامل"، وكانت أبرز رواية « إنه قابل الضابط "جمال عبد الناصر" لأول مرة في 2 يونيو 1948 بالمنشية، والحقيقة إنه قابل الضابط "جلال ندا" في ذلك اليوم.. وأصبح "جلال ندا" محررا بأخبار اليوم بعد أن ترك الجيش بإصابة خطيرة، واقترب منه "هيكل" وكان "جلال ندا" على صلة قوية باللواء "محمد نجيب" قبل الثورة، وصحب "هيكل" معه لزيارته في منزله في 18 يوليو 1952..

ودخلا إلى المنزل ووجدا اليوزباشي "حسن فهمي" مع اللواء "نجيب" ووصل بعدهما "يوسف صديق" و"جمال عبد الناصر" و"عبد الحكيم عامر"»

«وسأل "هيكل" هامسًا في أذن "جلال" مين ده مشيرا لـ"جمال عبد الناصر" فقدمه إليه "جلال ندا" ولم يشأ الضباط أن يتحدثوا في شيء مع "محمد نجيب" أمام "هيكل" الذي انصرف مع "جلال ندا" ولكن "هيكل" كتب بعد وفاة "جمال عبد الناصر" أنه ناقشهم في حركة الضباط، وإنه قال لـ"عبد الناصر" أن الجيش يجب أن يرد كرامة نفسه، وأنه بعد أن انصرف وجد سيارة "عبد الناصر" عاطلة وبها "عبد الحكيم عامر" ووقف ثلاثتهم في محطة بنزين، وخلال هذه الوقفة قال له "عبد الناصر" لو حصل أي شيء فإن الإنجليز سيتدخلون..

ورد "هيكل": لا أعتقد أن الإنجليز في وضع يسمح لهم بالتدخل وراح يشرح لـ"جمال عبد الناصر" على أي أساس بنى اعتقاده، وقد نشر "جلال ندا" مقالا في صحيفة الدستور بتاريخ 18 أكتوبر 1976 في الصفحة العاشرة يكذب هذه الرواية من أساسها، ويقول إنه انصرف مع "هيكل" إلى أخبار اليوم مباشرة.»

بعد تلك الرواية يقول "موسى صبري" إن هذا أسلوب "هيكل" الذي شارك في صحافة الإثارة في أخبار اليوم وهو أن يطلق لخياله العنان في كثير من الوقائع.

لم يذكر "موسى صبري" ما هي الروايات الثلاث الأخرى، وختم تلك الفقرة بقوله المهم أن "هيكل" عرف "جمال عبد الناصر" وأصبح يتردد على موقع القيادة، وفي رأي أن المهم لدى "موسى صبري" أن يقول إن "هيكل" كان صاحب خيال.

نعود للمذكرات فيوضح "موسى صبري" أن "هيكل" بدأ يكتب الأخبار التي يريدها "عبد الناصر" وكان يذهب إليه بالصور التي سينشرها في آخر ساعة، ويعرضها عليه وحصل على بعض مذكرات "عبد الناصر" وهكذا أخذ يقترب خطوة خطوة من القائد الحقيقي للثورة بعد أن عرف إنه الرجل الأول، وأعجب "عبد الناصر" بأسلوبه واستعان به في كتابة فلسفة الثورة وفي ذلك الوقت»

ويكمل "موسى صبري" «كان "عبد الناصر" يستقبل كل الصحفيين، وكان "إحسان عبد القدوس" و"مصطفى أمين" و"حلمي سلام" و"حسين فهيم" يتصلون بـ"عبد الناصر" ويقابلونه إلى أن سافر "عبد الناصر" إلى مؤتمر باندونج والتقى لأول مرة بعدد كبير من زعماء العالم الذين أبدوا اعترافا واقعيا بزعامته، وكان مثل هذا المؤتمر الدولي الكبير حدثًا جديدًا على تجربة "عبد الناصر" وكان يهمه أن يعرف ما يدور في كواليس المؤتمر، وأخبار هؤلاء الزعماء والصدي الخارجي..

وكان "هيكل" في هذه الرحلة، وكان يقابل "عبد الناصر" يوميا مثل باقي الصحفيين المصريين، ولكنه تميز عنهم لدى "عبد الناصر" بشيء هام، كان باقي الصحفيين يسألون "عبد الناصر" ما الأخبار أما "هيكل" كان يقدم لـ"عبد الناصر" الأخبار التي يريد سماعها، وكان يجمعها من اتصالاته في المؤتمر، وخاصة من الأجانب، وهكذا زاد اقتناع "عبد الناصر" به، حتى انتقل للأهرام رئيسًا لها وبدأ يكتب خطابات "عبد الناصر" ويعدل فيها كما يريد على عكس ادعاء "هيكل" ذلك بأنه كان يكتب ما يشاء، وان عبد الناصر كان يفاجأ بمقاله يوم الجمعة..

وقد روى لي "عز العرب" شقيق "عبد الناصر"، كيف أن شقيقه كان يقضي وقتا طويلا في مراجعة مقالات هيكل»

ثم أمر "عبد الناصر" بإذاعة مقالات "هيكل" أسبوعيًا وإرسالها بالبرقيات إلى سفاراتنا بالخارج لأنه التعبير الصحيح عن الخط السياسي للدولة، وكان السفراء ينتظرون مقال "هيكل" لكي يتفهموا منه اتجاهات "عبد الناصر"، و"هيكل" بارع في تبرير كل قرار لـ"عبد الناصر" ولم يكتب حرفا عن الاعتقالات أو عمليات التعذيب أو مآسي الوضع تحت الحراسة وامتهان كرامة الناس إلى أن وقعت الهزيمة المنكرة في 1967..

وقامت مظاهرات الطلبة، ووقعت أحداث مؤامرة "عبد الحكيم عامر" على السلطة وانتحاره، وتقديم "صلاح نصر" و"شمس بدران" للمحاكمة العسكرية.

ويتابع "موسى صبري" «هنا أراد "هيكل" بالاتفاق مع "عبد الناصر" امتصاص غضب الرأي العام، وتبرير كل أحداث قهر الحريات فكتب عدة مقالات القى فيها بالمسئولية كلها فوق "صلاح نصر"، ومنها مقال عن زوار الفجر، وتقرر إصدار بيان 30 مارس الذي يعد بالحياة الديمقراطية بعد إزالة آثار العدوان، وتوفى "عبد الناصر" و"هيكل" في أوج قوته ونفوذه، وتحالف مع "السادات" ضد باقي مراكز القوى بعد أن أخذ وعدا من "السادات" بحمايته..

وكتب خطب "السادات" في المرحلة الأولى حتى حرب أكتوبر، ثم تغير الموقف بعد أن حد "السادات" من سلطاته وأبعده عن دائرة الحكم التي كان سيدها في عهد "عبد الناصر"»

وفي هذا الجزء فإن هناك اعتراف من "موسى صبري" بتميز "هيكل"، ببساطة ما فعله الرجل كان يمكن لغيره أن يفعله، لكني ما أضحكني تأكيده على أن "هيكل" لم يستطع المعارضة، ومثار الضحك أن "موسى صبري" نفسه في عصر "السادات" قال نعم أنا أطبل وازمر، وفي مذكراته كتب عن مواقف كثيرة تمنى معارضته ولم يستطع، وحتى هذا الجزء فإن "هيكل" صحفي صاحب خيال واسع يكتب روايات متناقضة وصل للرئيس من خلال تميزه بجمع الاخبار وهو صاحب تبرير كل فعل شنيع.
الجريدة الرسمية