رئيس التحرير
عصام كامل

لعدم الاستدلال


عندما تصدر الأحكام القضائية بعد ماراثون في المحاكم ومكاتب المحامين وأضابير المحضرين وأقسام الشرطة ولا يتم تنفيذها بزعم عدم الاستدلال تصبح العدالة في خطر، والقانون معطلا، ويفقد الناس الثقة في الاحتكام للقانون، ويلجأ بعضهم للحصول على حقه بذراعه، مما يجعل الأرض خصبة للإرهاب والعودة لعصر ما قبل الدولة الحديثة، وسيادة شريعة الغاب..


شيء من ذلك يحدث يوميا في قضايا الأحوال الشخصية، وخاصة للنساء الحاضنات للأطفال، ويقول أحد المحامين: إنه عندما يقوم بالدفاع عن الرجل في قضايا الأحوال الشخصية فإن الأمر لا يكلفه أكثر من الذهاب للمحكمة وقت الجلسات، بينما يشعر بالعذاب إذا كانت موكلته امرأة، لأن عليها إثبات كل شيء من مرتب الزوج ووضعه المادي، وحتى عندما تحصل على حكم تظل تجري خلفه لسنوات حتى تنفذه، لدرجة أن بعضهن يحصلن على أحكام للنفقة الدراسية، ويظل الحكم معلقا حتى انتهاء الموسم الدراسي..

ومصاريف المدرسة مشكلة كبيرة جدا وعبء لا يستهان به، حين يمتنع الأب عن الإنفاق، فمطلوب من الأم أولا دفع مصاريف المدرسة، ثم رفع قضية وتقديم الوصولات المدفوعة لتحصيلها، هذا إذا عرفت كيف تحصلها.. وتستمر في دوامة المحاكم والاستئناف شهورا وأحيانا أعواما لأنها غير عاجلة النفاذ، وعندما تحصل على حكم تكون السنة انتهت، ومطلوب منها تجهيز مصاريف السنة التالية، وهى أصلا لا تزال مدينة بالسنة اللى قبلها، وتتكرر القصة كل عام، وحتى نهاية سنوات التعليم..

والسؤال لماذا لا يجبر الأب بقوة القانون أن يستكمل دفع مصاريف المدارس؟ لماذا تدفع الأم الأول وتقضى باقى عمرها في المحاكم لتحصيل الفلوس؟ ثم السؤال الأهم إذا لم تستطع الأم تدبير المصاريف أصلا، ما هو مصير الأبناء الذين يدفعون ثمن اللدد في الخصومة..

غير أن المصيبة الكبري فيما يسمي بقضايا الرؤية، والمساومات الدائمة من الزوج وأسرته لابتزاز الأم للتنازل عن حقوقها الشرعية، وفِي كل يوم قضايا خطف للأطفال من الأب، وحرمان الأم من معرفة أي شيء عن أطفالها، باستغلال بعض ثغرات القانون والسلطة أحيانا..

ولا يمكن الاعتداد بالقول إن الأب لا يخطف أولاده، لأن نص المادة ٢٩٢ من القانون الحالي تقضي بالحبس سنة أو بغرامة لا تزيد على ٥٠٠ جنيه لأي من الوالدين أو الجدين، إذا لم يسلما ولده الصغير أو ولد ولده لمن له حق في طلبه، بناء على قرار من الجهة القضائية بشأن حضانته أو حفظه، وكذلك أي من الوالدين أو الجدين خطفه لنفسه أو بواسطة غيره ممن لهم بمقتضي قرار من جهة القضاء حق حضانته أو حفظه، ولو كان ذلك بغير تحايل أو إكراه..

ولأن عقوبة الـ٥٠٠ جنيه غير رادعة تصبح عمليات الخطف والابتزاز هي القاعدة، وعندما تجد المرأة نفسها وحيدة تخضع للابتزاز وتتنازل عن كل حقوقها، وتزخر المحاكم بآلاف القصص لدرجة إتساع ظاهرة الأم المعيلة لأسرتها، بينما يقف المجتمع والقانون عاحزين لحفظ كرامة النساء والأسرة..

ولهذا فإن ملف أمهات مع وقف التنفيذ من الملفات المسكوت عنها اجتماعيا.. بحيث لا يحاسب أب خاطف لطفله! بل لا يطلق على هذا الأب صفة الخطف! على الرغم من اعتراف جميع الدول العربية والأوروبية بتجريم هذه الفعلة في حق الطفل وأمه، إلا أننا هنا ننظر للمرأة الأم أنها وعاء للإنجاب فقط، أما الطفل فيعتبرونه ملكية خاصة، للآباء يفعل به ما يشاء ضاربا بعرض الحائط غريزة الأمومة ومصلحة طفلهم..

ومنهم آباء سولت لهم أنفسهم حرمان أطفالهم من التعليم..

والحل يكمن في استحداث الشرطة القضائية وهي موجودة بالعالم كله إلا مصر، وتخضع لوزارة العدل ومهمتها الإشراف على المحاكم وتنفيذ الأحكام الصادرة والإشراف على السجون، ولا يوجد مبرر للتمسك باختصاص الشرطة المدنية التابعة لوزارة الداخلية بتنفيذ الأحكام القضائية، بل إن هناك من يقترح شرطة تنفيذ للأحوال الشخصية، لضمان تنفيذ الأحكام وشيكة السقوط، مثل التي تسقط غيابيًا بعد ثلاث سنوات، وتضيع معها الحقوق ويضطر صاحب الحق للعودة للدعوى المدنية التي تحتاج خمس سنوات أخرى على الأقل.
الجريدة الرسمية