رئيس التحرير
عصام كامل

فرنسا وسياسات حقوق الإنسان في أفريقيا


من الجلي أن فرنسا تقاوم التغير في موازين القوى العالمي وانكماش نفوذها، في ظل إحداثيات نمو الصين في أفريقيا، وتخلفها عن الصراع على الهيمنة التكنولوجية الذي تقوده الصين والولايات المتحدة، والهند تجاهد في القطاع نفسه. إن دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية (مجلس الأمن) والتي شكلت النظام العالمي الحالي منذ ٧٠ عاما، تعمل بكامل طاقتها نحو الحفاظ على مكاسبها. 


ولكن فرنسا تأتي الأخيرة بعد أمريكا والصين وبريطانيا وروسيا، رغم أن فرنسا مازالت تستعمر أفريقيا اقتصاديا، المثير أن دولا كالهند وألمانيا واليابان وكوريا لا تمتلك المقومات نفسها، ولكنها أصبحت تحتل مراكز اقتصادية، ومن ثمَّ سياسية متقدمة بما يضمن لها التواجد في النظام العالمي الجديد.

تحدثنا في مقال سابق عن الصراع الأمريكي الصيني في مجال الذكاء الصناعي داخل أروقة شركات التكنولوجيا، وهو ما عبر عنه "فلاديمير بوتين" العام الماضي "أيا كان من سيتبوأ هذا المجال فسيحكم العالم"، ومن الواضح أن أركان المعركة اشتعلت بين أمريكا والصين في الشركات الناشئة ومراكز البحث العلمي، وانتقلت إلى الشركات عابرة القارات بهدف التحكم في الاستثمارات في الذكاء الصناعي.

الهند وألمانيا تتقدم من جانب آخر، ولكن لم تتدخل فرنسا في المنافسة إلا بالدعوة إلى صياغة دستور أخلاقي للذكاء الصناعي، وهو ما اعتبره الخبراء ضجيجا وضوضاء لن يؤثر على إحداثيات الصراع، ولكن هناك مؤشر أهم في مجال التكنولوجيا، وهو تدهور حصة مشروعات الكاتيل في أفريقيا لصالح هواوي الشركة الصينية حديثة العهد، وتغض الحكومة الفرنسية النظر عندما يتعلق الأمر بالتنين الأصفر رغم أنها تمتلك اتفاقيات تاريخية تحدد تعاقدات الدول الأفريقية.

نائب رئيس الوزراء الإيطالي "دي مايو" صرح مؤخرا أن هجرة الأفارقة إلى أوروبا سببها السياسات الفرنسية نحو إفقار أفريقيا، فما زالت العملة الرسمية للمستعمرات الفرنسية هي "الفرنك الأفريقي"، وهي ١٤ دولة أفريقية من السنغال وتشاد إلى الكونغو، ويرتبط الفرنك الأفريقي بـ"الفرنك الفرنسي"، ليصبح مؤخرا مربوطا باليورو، وهذه الدول بها أقل دخل في العالم، وأكثر فساد رغم إنها تمثل كنزا وموردا للموارد الطبيعية لفرنسا بأقل الأسعار، وتعداد سكان هذه الدول 150 مليون شخص، ولذا يذهب السياسي الإيطالي إلى أن المكتسبات الفرنسية التاريخية أصبحت اليوم عبئا على أوروبا وأفريقيا على السواء.

منذ سنوات صرح "شيراك" أن بدون أفريقيا ستصبح فرنسا في مصاف العالم الثالث، وللأسف كان ذلك على حساب مصالح الدول وحقوق الإنسان، وفي المقابل أصاب الدولة الفرنسية حالة من الخمول وضعف الإنتاج اعتمادا على انخفاض سعر الموارد الطبيعية من جانب، والكبرياء والعظمة والزهو من جانب آخر، بدون إدراك المخاطر الإستراتيجية المستقبلية التي تهدد ريادة فرنسا بدرجة لا تناسب دولة بعمق وتاريخ فرنسا.

أخشى أن تتعامل القوى الدولية مع فرنسا كما تعاملوا مع الإمبراطورية العثمانية (رجل أوروبا المريض)، وقسموا تركتها بينهم، فقد كانت الإمبراطورية تعاني أيضا من الخمول والكبرياء والشيخوخة الفكرية في وقت كان يعاد فيه حساب موازين القوى الدولية.

عندما اشتعلت حركات التحرر في أفريقيا، ونشط "أحمد سيكو" توري ضد الاستعمار الفرنسي في غينيا ١٩٥٨، دمرت فرنسا ما اسموه بمكاسب الاستعمار، وغادر 3000 فرنسي غينيا، ومعهم كل ما يستطيعون من ممتلكاتهم ومدمّرين كل ما لم يستطيعوا نقله، فدمروا المدارس ودور الحضانة والمباني الإدارية والسيارات والكتب والأدوية والجرارات والخيول والأبقار وأحرقوا الأغذية، كرسالة إلى باقي المستعمرات الفرنسية في أفريقيا.

توصل "سيلفانوس أوليمبيو" رئيس "توغو" إلى حل وسط مع فرنسا، ووافق على دفع ضريبة سنوية لفرنسا سُمّيت الفوائد التي حصلت عليها "توغو" من الاستعمار الفرنسي ليمثل 40% من الميزانية العامة لـ"توغو" عام 1963. وعندما حاول أوليمبيو إصدار عملة قومية مستقلة قُتل. وفي 1962 حاول "موديبيا كايت" رئيس "مالي" التخلص من عملة الاستعمار الفرنسي، فواجه أول انقلاب بدعم فرنسي، وبدأت سلسلة من الانقلابات في "فولتا العليا" و"بنين"، وأصبحت أفريقيا قارة الانقلابات العسكرية لتصل إلى 67 انقلابًا في 26 دولة أفريقية. 16 منها كانت مستعمرات فرنسية.

لا تزال حتى هذه اللحظة ١٤ دولة تضع ٨٥٪؜ من احتياطياتها في البنك المركزي الفرنسي، وتدفع ضرائب الدين الاستعماري، وتعاني من انخفاض الدخل والتوترات السياسية، وطبقا لاتفاقيات تمتلك فرنسا حقوق حصرية في التنقيب ومراجعة ميزانيات الدول وتسليح الجيوش وحق التدخل العسكري في هذه الدول، إلى جانب احتكار نظم التعليم وفرض اللغة الفرنسية.. وعلى الجانب الآخر هذه الدول هي الأكثر اضطرابا وفسادا وفقرا.

أما العلاقة بين مصر وفرنسا فلم تكن أبدا ودية، فقد كانت الحملة الفرنسية على مصر تجربة فاشلة رغم انبهار الفرنسيين بتاريخ مصر وسحرها، ولكن الثقافة المصرية كانت متمردة على تقبل الاحتلال الفرنسي عكس أفريقيا التي استعبدت لقرون، وكان عبد الناصر شوكة في مواجهة الهيمنة الفرنسية.

فقاد موجات التحرر من شمال أفريقيا إلى جنوبها بما سبب خسائر لفرنسا... اليوم أرى في الأفق موجة جديدة من التمرد بدأت من جنوب أفريقيا، أسهم فيها الإنترنت الذي رفع مستوى الوعي القومي والثقافة لدى شعوب أفريقيا، الذين يرون في فرنسا كيانا طفيليا يستنزف ويستعبد ثروات القارة، ويرتب للانقلابات العسكرية، ويدعم الحكام الفاسدين... اليوم مصر تتحرك لدعم أجندة التنمية المستدامة في أفريقيا 2063 بخطوات يحسب حسابها من خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي.

طالما ادعت فرنسا أنها راعية حقوق الإنسان، ولكن من أجل مستقبلها يجب أن تقر أنها تركت بذور العنف والتطرّف والجوع لتحكم سيطرتها على الدول المستعمرة بعد تحررها، وهكذا أيضا عملت بريطانيا، ولكن بشكل أكثر تعقيدا، وبالتالي اصطدمت تجارب التنمية الاقتصادية في مصر والدول النامية بتوترات إقليمية مثل مشكلة فلسطين، إلى جانب اجتماعية رسخها الاحتلال مثل تنظيم الإخوان المسلمين لتخلق فيما بعد ذرائع لاتهام مصر بخرق حقوق الإنسان، رغم أن المصدر هو سياسات الاحتلال في خلق مجتمعات مضطربة، كلما حققت نموا اقتصاديا تصطدم بواقع صراعات إقليمية ومجتمعية وثقافية.

منذ سنوات قاد "ساركوزي" الاتحاد من أجل المتوسط، وكانت الفلسفة الرئيسة أن مستقبل فرنسا الإستراتيجي يكمن في أفريقيا، ومدخلها يجب أن يكون مصر كبوابة تاريخية، وذات عمق ثقافي يضمن الاستمرارية من منطلق الشراكة والتكامل.. بالطبع كانت ألمانيا تمتلك رأيا مضادا في توجيه سياسات الاتحاد الأوروبي وقتها.

مع توسع الشركات الصينية التي غزت أفريقيا بناء على مكاسب تحققها الدول الأفريقية، يجب أن تدرك فرنسا أن مفهوم المكسب لطرف واحد في العلاقة هي شراكات لا تحقق الاستدامة، وبالتالي فإن تمرد أفريقيا قادم لا محالة، ويجب أن تتعامل فرنسا مع مصر كشريك كامل نحو تنمية مستدامة في القارة كحل أخير قبل انهيار نفوذها الدولي، لأن البعد الثقافي والتاريخي لمصر يضمن علاقات عميقة مستمرة مع أفريقيا. 

ومع تغير موازين القوى الدولية لا يمكن لفرنسا الاستمرار كدولة قائدة، إلا التعاون القائم على المصالح المشتركة وإحياء مشروع الاتحاد من أجل المتوسط بطريقة تضمن المكاسب للأطراف المشاركة، خاصة في ظل وجود قيادة مصرية واعية بالمسئولية نحو الإنسانية ومؤمنة بالسلام والتكامل الإقليمي. 

لتثبت فرنسا أنها قادرة على التعاون مع قادة نظيفي اليد لتغير قناعة الأفارقة أنها داعمة للفساد، أيضا لتكتفي بالتغني بحقوق الإنسان كشعار، ولتعمل جديا على تأسيس بنية تحية لثقافة حقوق الإنسان تتحقق من خلال شراكات متوازنة بناء على تنمية وطنية مستدامة، تتناسب مع واقع المجتمعات وتنبع من العدالة والاستقرار السياسي، والقضاء على الجوع والفساد وإدراك متغيرات العولمة الثقافية، التي جعلت الأفارقة يدركون أنهم بشر ويطالبون بحقوق الإنسان الفرنسي وليس حقوق العبيد.
الجريدة الرسمية