رئيس التحرير
عصام كامل

صديقي المتحول.. ودموع الرئيس!


لم ير شيئا في المشهد كله يستحق الوقوف عنده.. فقد ظل يتابع ويتابع عسي أن يجد شيئا يستطيع أن يشبع به حاجته الملحة للوقوف فوق منصة الهري واستعراض كلمات جوفاء تعبر عن حالة فراغ ورغبة في الوصول إلى أي نقطة ضوء، حتى وإن كانت في فضاء العالم الافتراضي المُشوش !


لم ينتظر صديقي طويلا فقد وجد ضالته التي يبحث عنها والتي انتظرها على مضض.. فقد كان مضطرا لمتابعة مشهد أظنه – وليس كل الظن إثم– لا يحب أن يراه، لكنه كان يريد أن يلتقط شيئا يبني عليه ما يريد كتابته في رسالة علها تحدث تأثيرا ما أو تثير جدلا بين من يقرأها ليستمتع به كعادته دائما!

صديقي لم يجد غير دموع الرئيس وهو يتابع الاحتفال بذوي الإعاقة أو ذوي الهمم الذين لم يلتفت إليهم، ولم يشغل باله بهم، وقرر أن ينصب السيرك ويجمع المهرجين والموتورين فكتب يقول تحت عنوان: (نزيف الدموع في بث حي على الهواء ظاهرة سياسية جديدة وغريبة وغير مفهومة.. لا أظن أنها حدثت في تاريخ مصر السياسي)!

من بين ما جاء في كلامه عن دموع الرئيس.. (أن كل ما يصدر عن رجل السياسة في المحافل العامة هو سياسة، وله أهداف سياسية، ويحمل رسائل سياسية، حتى لو اتخذ شكل الدموع العاطفية أو الإنسانية وهو استهداف التأثير على قطاعات من المواطنين وكسب تعاطفها وولائها، دون مقابل مادي أو إنجاز سياسي).

صديقي المتحول أراد -عن قصد- أن ينزع عن الرئيس إنسانيته ويجرده من عواطفه، وأن يُحمل مشاعره الإنسانية أكثر مما تحتمل لغرض في نفسه، وفي ذات الوقت يعتبرها وسيلة مشروعة ومقبولة للتأثير على المواطنين وكسب تعاطفهم في حال إذا كانت بمقابل مادي أو إنجاز سياسي..

والحقيقة أن التفسير العبقري الذي يطرحه صديقي في توظيف الدموع توظيفا سياسيا يجوز قبوله في حالة أخرى، مثل أن يكون المستهدفون من الدموع شريحة غير تلك الشريحة من ذوي القدرات الخاصة والهمم التي قدم إليها الكثير ورد إليها اعتبارها بعد سنوات من التجاهل والغبن، ومع شخصية أخرى غير شخصية السيسي الذي قدم من الإنجازات الكثير مما لا يريد صديقي رؤيتها، كما أنه لا يبحث عن شعبية زائفة على حساب الواجب والوطن.

ولو أتعب صديقي نفسه بعض الوقت وشاهد بدقة متي وفي أي مناسبات نزلت دموع الرئيس لأدرك بإنسانية الإنسان أن كلها مواقف لا يحتاج منها الرئيس تعاطف المواطنين أو ولاءهم.. كانت أكثر الدموع عند سماع كلمات أم شهيد أو زوجة شهيد أو رؤية إبن لا يعرف ولا يدرك ماذا جري لوالده، أو بنت شهيد لا تعرف أين غاب عنها والدها.

في مثل هذه المواقف لا يمكن توظيف الدموع توظيفا سياسيا، ولا يمكن اعتبارها وسيلة لكسب التعاطف أو الولاء لأن ذلك لم يعد ينطلي على الشعب، ومن يقل بذلك هو صاحب غرض، والغرض مرض وما أكثر المرضي الذين أصابهم فيروس التجاهل وانحسار الضوء وانقطاع المال !

مرة أخرى يناقض صديقي نفسه فيقول (مشكلة هذه الأدوات العاطفية في العمل السياسي أنها تمتنع على المنافسة من كافة الخصوم السياسيين، فمن الصعب أن تجد منافسًا أو خصيمًا أو معارضًا للسيد الرئيس يمتلك هذه القدرة والموهبة النادرة جدا).. أي أن توظيف الدموع سياسيا عند صديقي جائز طالما هناك الكثير من المنافسين والخصوم والمعارضين يملكون هذه القدرة.. رغم أني لا أعرف الفرق الذي يقصده بين المنافس والخصم والمعارض للرئيس غير تضخيم الصورة !

وحتى لا يضع صديقي نفسه في مواجهة مع كل من يتأثر بكلمات أو مشاهد إنسانية فإنه يعترف (بأن دموع الرئيس مثل كل دموع يجود بها إنسان، لها الاحترام والإجلال).. ثم يدس السم في العسل ويقول (لكن صدورها في محافل عامة، وبصورة متكررة، كل ذلك خرج بها من النطاق الشخصي الإنساني العاطفي، إلى النطاق السياسي الجماهيري)..

بمعني أن الرئيس يقصد التأثير على الناس، وفات صديقي أن المرات التي نزلت فيها دموع الرئيس كانت حصريا في احتفالات تكريم الشهداء وذوي الإعاقة ولم نرها في موقع عمل أو إنجاز أو لحظة تصميم على أخذ الثأر ورد الاعتبار، ومع ذلك فهي مشاعر إنسانية راقية لا تقلل من كون السيسي رئيسا وقائدا صارما في الحق.. البكاء في موضعه ليس عيبا أو نقيصة أو ضعفا.. لكنه فرط إنسانية إذا فارقت ولي الأمر فلا تنتظر منه خيرا ولا تأمن جانبه.

صديقي قال: (الخلاصة.. نستطيع أن نرد على الأفكار بأفكار مختلفة، لكن لا نستطيع أن نرد على الدموع بدموع مضادة).. وإليه أقول: وهل كانت هناك يا صديقي أفكار مطروحة على الرئيس في هذه المناسبات فرد عليها بالدموع؟! والله لقد أدهشنا تفسيرك.
الجريدة الرسمية