رئيس التحرير
عصام كامل

في ثقافة التلقيح!


آفة ابتلينا بها، إلا من عصم الله، تفشت وظهرت أكثر فأكثر عقب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فأدت لزيادة مساحات البغضاء والكراهية بين الأصدقاء والأقارب، وهى في حقيقتها لا تنبئ إلا عن ضعف أو بعض خلل في المجتمع.


«السباب المستتر»، فهؤلاء يسبون هؤلاء بطريق غير مباشر، وهذا لا يعجبه هذا، وهذه تحقد على تلك بالمواراة وإلقاء الكلام عبثا على كائن مجهول للآخرين معلوم لصاحبه، لكنه لا يجرؤ أن يباشره بالحديث واللوم أو التوبيخ، فتضيع المودة والمحبة، في سياق التخمينات والتكهنات، من يقصد؟ ومن تقصد؟

ربما نحاول الارتقاء إلى مرحلة النبل الأخلاقي، والمثالية الرفيعة، إلا أننا نغضب ونثور أحيانا، ونحاول كظم الغيظ فنفشل، فتلمس أيدينا الشاشات، وتشارك الكلمات، في التلميح والتجريح دون تصريح، في حالة شديدة من الخوف أن نقصد مباشرة من نرمى إليه سهام ألسنتنا، أو أن يعرف أننا نقصده، فنلجأ للكذب والنفاق، على حين كان من الممكن أن نواجه من نقصد بعيوبه ونناقشها معه بأسلوب مباشر.

عبارات رذيلة تتطور إلى أنواع مختلفة من الأحقاد والضغائن المسمومة بين الأنفس، ويتحول الشخص «المُلقح» تدريجيا في أذهان المحيطين به، إلى «فُحش متحرك» يمشي على الأرض متجسدا في صورة إنسان، فيتحاشى الآخرين التعامل معه مخافة أن يقعوا تحت طائلة لسانه.

ربما أخشى وأنا أكتب هذه الكلمات، أن أكون قد دخلت في تلك الدائرة دون قصد، ولكن ما أراه يوميا عبر شبكات التواصل، من أشخاص ليس لي بهم سابق معرفة أو علاقة، أو لي معرفة بهم، يدعو للحسرة لما آلت إليه مجتمعاتنا، وقد تميز الغرب عنا بالوضوح في التعامل، وقصد الهدف، دون مواربة، أو نفاق، أو زيف في مشاعر الود وادعاء المحبة.

لا أدعي أنني مصلح اجتماعي، ولا أدعي أنني منزه عن الخطأ، وقد أكون سقطت في براثن تلك آلافة في بعض أوقاتي الماضية، إلى أن حاولت وعزمت أنه مهما بلغت درجات الغضب أو الضيق أو التبرم، فالعلاج الوحيد لإطفاء نار النفس، وتكبيل السباب المتواري، وكبح جماح شهوة الغل، هو الصمت، والصمت فقط، فلن يضير هذا أو هذه أن أقول هم فعلوا أو يفعلون كذا وكذا، ولكن فقط، سيزداد الشحن السلبي في النفوس.

أدعو الله أن أكون أول المتطهرين من واحدة من أسوأ الجراثيم التي أفرزتها وسائل التواصل الاجتماعي، وأقولها لنفسي أولا: المواجهة في الخصومة أفضل من الاختباء خلف كلمات، فقط صرح بما يؤلمك من أي إنسان مباشرة، فالعتاب أفضل طريق لتهدئة النفوس وعلاج الخلافات، وإطفاء نيران الضغائن، والإبقاء شعرة المحبة موصولة.

الجريدة الرسمية