رئيس التحرير
عصام كامل

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (8)


"إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد، فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟ وإذا لم يكن الله هو من أمر محمَّدًا بالزواج بها فمن الذي أمره إذًا؟ هل اختلق محمَّد هذه الآيات - آيات سورة الأحزاب - بنفسه ليخدم غرضه؟ وطالما أن الزواج بزوجة الابن المتبنى ليس حرامًا فهل ينطبق هذا الحكم على الابن من الصلب؟ أرجو الإجابة عن هذه التساؤلات لأن إيماني معتمد على فهمها".


هذا نص سؤال ورد من أحد الشباب بعث به إلى موقع يتحدث عن الإسلام، ويجيب على الفتاوى.. السؤال بهذه الصيغة والكيفية، يحمل بين طياته، ملامح إيمان متردد، يوشك صاحبه، وله كل العذر والمبررات، التي تقدمها كتب السيرة، والتاريخ الأعوج، أن يتنكب الطريق، ويتجه لغير الإسلام.

كثير من كتب التراث تردد أن النبي، "صاحب الخلق العظيم"، اشتهى زوجة ولده بالتَّبَنِّي، وَأَضْمَرَ في نفسه أن يُطَلِّقَهَا منه ليتزوجها هو.. (تصوروا).

من بين تلك الكتب "تفسير الطبري"، الذي جاء فيه: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد زَوَّجَ زيدَ بنَ حارثة زينبَ بنتَ جحش، ابنةَ عمتِه، فخرج رسولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يومًا يريده، وعلى الباب سِتْرٌ من شَعْرٍ، فَرَفَعَتْ الريحُ السِّتْرَ فانكشف، وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابه في قلب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما وقع ذلك كُرِّهَتْ إلى الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال: ما ذاك، أَرَابَكَ مِنْهَا شيء؟ “قال: لا والله ما رَابَنِي منها شيء يا رسولَ الله، ولا رأيتُ إِلَّا خَيْرًا، فقال له رسولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله، فذلك قول الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) تُخْفِي فِي نَفْسِكَ إِنْ فَارَقَهَا تَزَوَّجْتَهَا.

ومن ذلك أيضًا ما رواه الحاكم في "المستدرك": "قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: "جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَ زَيْدٌ إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَرُبَّمَا فَقْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّاعَةَ فَيَقُولُ: «أَيْنَ زَيْدٌ؟» فَجَاءَ مَنْزِلَهُ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَتَقُومُ إِلَيْهِ زَيْنَبُ فَتَقُولُ لَهُ: هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَّى فَيُولِّي يُهَمْهِمُ بِشَيْءٍ لَا يَكَادُ يُفْهَمُ عَنْهُ إِلَّا "سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مُصَرِّفِ الْقُلُوبِ"، فَجَاءَ زَيْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مَنْزِلَهُ.. فَقَالَ زَيْدٌ: أَلَا قُلْتِ لَهُ: يَدْخُلُ، قَالَتْ: قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأَبَى قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: شَيْئًا قَالَتْ: سَمِعْتُهُ حِينَ وَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا أَفْهَمُهُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ مُصَرِّفِ الْقُلُوبِ»، قَالَ: فَخَرَجَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ جِئْتَ مَنْزِلِي فَهَلَّا دَخَلْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَعَلَّ زَيْنَبَ أَعْجَبَتْكَ فَأُفَارِقُهَا، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ»، فَمَـا اسْتَطَاعَ زَيْدٌ إِلَيْهَا سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرُهُ فَيَقُولُ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجُكَ»، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا أُفَارِقُهَا، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْبِسْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» فَفَارَقَهَا زَيْدٌ وَاعْتَزَلَهَا، وَحَلَّتْ، قَالَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَالِسٌ يَتَحَدَّثُ مَعَ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، إِذْ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْمَةٌ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَتَبَسَّمُ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ يَذْهَبُ إِلَى زَيْنَبَ يُبَشِّرُهَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ زَوَّجَنِيهَا مِنَ السَّمَاءِ» وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37].. الْقِصَّةَ كُلَّهَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ لِمَا كَانَ بَلَغَنِي مِنْ جَمَالِهَا وَأُخْرَى هِيَ أَعْظَمُ الْأُمُورِ وَأَشْرَفُهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ لَهَا زَوَّجَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ».
أما مُقَاتِل ابن سليمان، فيهذي قائلا: "زَوَّجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حينًا، ثم إنه عليه السلام أتى زيدًا يومًا يطلبه، فأبصر زينب قائمة، كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتمِّ نساء قريش، فهويها، وقال: (سبحان الله مقلب القلوب)! فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإنَّ فيها كِبْرًا، تَعْظُمُ عليَّ وتؤذيني بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: (أمسك عليك زوجك واتق الله).

تلك الكتب قال عنها "ابن تيمية": "هذه الكتب التي يسميها كثير من الناس كتب التفسير فيها كثير من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم، وقول على الله ورسوله بالرأي المجرد، بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية".

وأما ما رَوَوْهُ مِنْ أَنَّ النبيَّ مرَّ ببيت زَيدٍ وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء، فقال: "سبحان مقلب القلوب"، فسمعت زينب التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها! إلى آخر هذا الهراء، وَقَالَ الإمامُ أبو بكر بْن العربي: إنه لا يَصِحُّ وإنَّ الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حَقَّ قَدْرِهِ.

غالبية تلك الروايات أرى أنها إسرائيليات، حاول واضعوها تشويه صورة نبينا العظيم، وسيرته العطرة، كما فعلوا بنبي الله "داود"، عندما زعموا أنه رأى امرأة أحد قادة جيشه، وهي عارية تستحم فأعجبته، وأمرَ بها فأُحضرت إليه، واغتصبها، وحملتْ منه، فأمرَ زوجَها أن يجامعها، (يقولون: ليداري فضيحَته)، فلما رفضَ قتله(!) تعالى الله ورسله عما يفجرون.

ألم يقلْ اللهُ تعالى في محكم آياته: "لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا".. فأيْن طاعتُنا لأوامر الله، سبحانه؟! وأين تَوقيرُنا لرسولِه، صلى الله عليه وآله وسلم، وتعزيرُنا له، وإيمانُنا به، ونصرتُنا إياه؟!

هل سنسكت، للأبد، إزاء تلك الأباطيل والمزاعم والترَّهات التي تشوه صورة صاحب الخلق العظيم، الذي بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، فإذا بكتب التراث تنقل الروايات المغلوطة، والأحاديث المكذوبة، والإسرائيليات، فيما نحن نحرص على تقديسها، ونرمي من يقترب منها بتهمة "ازدراء الأديان"؟

أرى استبعاد الكتب التي يُؤْثَرُ عنها الإساءةُ لنبي الأمة، صلوات ربي وتسليماته عليه، من جميع المكتبات، وإعادة فحصها بعناية، أو حرقها تمامًا.. فهل يخسر الإسلام، أم يربح، إذا فقدنا تلك الكتب التي تسيء وتضر، وتدمر، وتدفع الشباب؛ إما إلى الإلحاد، أو إلى التطرف، والالتحاق بالجماعات الإرهابية؟!
الجريدة الرسمية