رئيس التحرير
عصام كامل

«عمران خان».. لسه الأماني ممكنة!!


"عمران خان" هو رئيس وزراء ثاني أكبر دولة إسلامية بعد أندونيسيا وهي باكستان، التي يتجاوز عدد سكانها 200 مليون نسمة، وهي دولة كانت في الماضي جزءا من شبه القارة الهندية التي قامت بريطانيا باحتلالها عام 1858، وعرفت منذ ذلك التاريخ بالهند البريطانية، أي إنها تحت حكم التاج البريطاني، وفي بدايات القرن العشرين بدأت حركات التحرر الوطني في الظهور..


وكان من بينها حزب المؤتمر القومي الهندي الذي جمع في بداية عهده العديد من زعماء الهند المسلمين والهندوس من أمثال محمد علي جناح وأحمد خان وجواهر لال نهرو، لكن سرعان ما تكشف لزعماء المسلمين نوايا الهندوس في السيطرة والهيمنة على الحزب، لذلك قام أحمد خان بتحريض المسلمين على عدم الانضمام لحزب المؤتمر، وقام بتأسيس المؤتمر التعليمي الإسلامي الذي انبثق عنه لاحقا حزب الرابطة الإسلامية في عام 1906، الذي أخذ على عاتقه قيام دولة خاصة بالمسلمين.

وفي عام 1920 قرر "محمد علي جناح" أن يقطع علاقته نهائيا بحزب المؤتمر القومي الهندي، ليترأس حزب الرابطة الإسلامية، وبدأ في المطالبة بتشريعات تضمن للمسلمين حماية دينهم ولغتهم (الأردية)، ثم صعد لاحقا مطالبه في اجتماع للرابطة بمدينة لاهور عام 1940 ودعا فيه إلى تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين هما الهند وباكستان، على أن تضم الثانية مسلمي الهند، ولقي هذا الإعلان تأييدا واسعا من قبل المسلمين..

ووقعت على أثره العديد من المصادمات بين المسلمين والهندوس في منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، مما جعل بريطانيا وحزب المؤتمر القومي الهندي يوافقان على إجراء عملية تقسيم الهند، وحاول المهاتما "غاندي" إقناع "محمد علي جناح" بالعدول عن فكرة التقسيم لأنها ليست في صالح الهند بل هي خدمة للمشروع الاستعماري الغربي وعرض عليه منصب رئيس أول جمهورية للهند المتحدة لكن "جناح" رفض..

ولم يستسلم "غاندي" فأخذ يدعو إلى الوحدة الوطنية بين الهندوس والمسلمين مطالبا الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة، لكنه فشل ودفع حياته ثمن لدعوته هذه، حيث قام أحد المتعصبين الهندوس باغتياله بتهمة الخيانة العظمى عام 1948.

وفي 14 أغسطس 1947 أصبحت باكستان دولة مستقلة من دول رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث)، كما حصلت الهند على استقلالها في اليوم التالي لهذا التاريخ، وأصبح "محمد علي جناح" مؤسس باكستان أول رئيس حكومة لها، ومنذ الاستقلال لم تهدأ الأوضاع في باكستان وشهدت العديد من الصراعات والانقلابات على السلطة ثم حرب أهلية أسفرت في عام 1971 عن انقسام جديد..

حيث استقلت باكستان الشرقية وأصبحت دولة بنجلاديش، واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية القوى الاستعمارية الجديدة في العالم أن تسيطر على السياسة الباكستانية وتستقطب قيادتها لتنفيذ أجندتها سواء بالداخل الباكستاني بإبقائها في حالة تبعية من خلال الدوران في فلك النظام الرأسمالي والبعد عن النظام الاشتراكي، أو بالخارج عبر دعم القوى الإسلامية في أفغانستان التي كانت تدعمها الولايات المتحدة بعد الاجتياح السوفيتي لأفغانستان في عام 1979..

ثم شاركت في الغزو الأمريكي لأفغانستان الذي بدأ في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية وتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي والاكتظاظ السكاني والفقر والأمية والفساد والإرهاب إلا أن باكستان استطاعت أن تصبح دولة نووية ولديها جيش يقع في مرتبة متقدمة ضمن أكبر 10 جيوش في العالم.

وفي 18 أغسطس الماضي أصبح "عمران خان" رئيسا لوزراء باكستان، وهو لاعب كريكت دولي سابق اعتزال في عام 1992، وأسس في أبريل 1996 حزب حركة الإنصاف وتولى رئاسته، وظل الحزب محدود الجماهيرية فلم يحصل إلا على مقعد واحد بالبرلمان لعمران خان نفسه في نوفمبر عام 2002 حتى أكتوبر 2007..

وخلال السنوات الأخيرة بعد العام 2011 ارتفعت أسهم الحزب وشعبيته وتمكن من الحصول على الأغلبية في الانتخابات العامة الباكستانية 2018، وبمجرد تنصيب عمران خان رئيسا للوزراء أعلن عن سياسة باكستانية جديدة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فمنذ البداية قرر الرجل انحيازه التام للفقراء والكادحين الذين يشكلون الغالبية العظمى من الشعب الباكستاني..

قرر التخلي تدريجيا عن السياسة الرأسمالية التي تعتمد على المنح والقروض في مقابل الاعتماد على الذات وتشجيع الاستثمار الداخلي وتحفيز قيم العمل، وتفعيل نظام تصاعدي للضرائب ومطاردة الأغنياء المتهربين من الضرائب، وتطبيق نظام جديد للرعاية الاجتماعية، وإعادة تشكيل الهوية الباكستانية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ومحاربة الفساد، وتقليص مستويات الدين العام، والحفاظ على المال العام، وتطبيق سياسة تقشفية..

وبدأ الرجل بنفسه حيث أعلن تخليه عن القصر المخصص له وتحويله إلى متحف والعيش في بيت صغير مكون من ثلاث غرف فقط، والتخلص من جيش الخدم المكون من 524 خادمة والإبقاء على خادمتين فقط، وبيع أسطول السيارات المضادة للرصاص المخصصة له.

أما على المستوى الخارجي فقد كانت تصريحات "عمران خان" صادمة للغرب الرأسمالي، فقد صرح الرجل أن باكستان قد بدأت مرحلة جديدة مستقلة، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تفهم أن باكستان صديقة وليست عميلة، ولن نكون حلفاء في أي حروب قادمة، فقط سنكون حلفاء في السلام..

ولا بد من إنهاء الحل العسكري في أفغانستان ليحل محله الحل السياسي، لقد مات خمسون ألف باكستاني في أفغانستان، ودخل التطرف إلى بلادنا ونحن أقل أمنًا من أي وقت مضى، وفي الوقت الذي خسرنا فيه 80 مليار دولار في هذه الحرب لم تخسر الولايات المتحدة الأمريكية غير 20 مليار دولار فقط، وأكد على رفضه الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران وأنه سيزور طهران والرياض معا في أولى جولاته الخارجية ليؤكد أن هذه الحروب الطائفية مصطنعة لتقسيم وتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية..

ومن المعروف عنه أنه كان من أشد المعارضين للغزو الأمريكي للعراق، ومعارضا شرسا للبلطجة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، ومن الداعمين للمقاومة الفلسطينية واللبنانية.

لعل هذا النموذج الذي فاجئنا به "عمران خان" سواء عبر السياسات والإجراءات التي يسعى لتحقيقها على المستوى الداخلي أو الخارجي تجعلنا نخرج من حالة اليأس والاكتئاب التي تملكتنا بفعل القادة العرب، الذين فشلوا في مواجهة الفساد بالداخل وعجزوا عن مواجهة البلطجة الأمريكية والصهيونية بالخارج لنقول "لسه الأماني ممكنة".. فهناك بعض القادة في العالم الإسلامي بإمكانهم إعلان التحدي والصمود والمقاومة والعمل لصالح شعوبهم، متمنين أن تنتقل العدوى إلى قادة جدد داخل العالم العربي والإسلامي، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
الجريدة الرسمية