رئيس التحرير
عصام كامل

«همسة في أذن الحكومة»


لم تكد فرحة عيد الفطر ترتسم على وجه المصريين بحثا عن متنفس لهم، يبعدهم عن هم الغلاء والأسعار، إلا وخرجت الحكومة الموقرة تفصح عن أسعار الوقود، المعروف أنه إجراء متبوع -لا محالة- بسلسلة ارتفاعات متتالية في السلع كافة.. ودخل المصريون في أسئلة دائمة.. كل منا يسأل نفسه: «هل سيكفيني راتبي؟ ألست بحاجة إلى عمل إضافي؟ والأولاد والمدارس؟ وثالوث الفواتير وما أدراك ما ثالوث الفواتير "الماء والكهرباء والغاز"؟ كلها طبعا أسئلة مشروعة».


لكننا الآن بحاجة إلى «همس في أذن الحكومة الموقرة».. فلقد حدث ما حدث ووجد المواطن "جيبه" «أنظف من الصيني بعد غسيله».. الغريب فيما حدث أن التصريحات الرسمية وردية مشرقة معطرة برائحة الزهور بعبارات مفادها: «عدم المساس بمحدودي الدخل.. الحرص على مصلحة المواطن».. بل يصل الأمر أحيانا إلى القسم بأغلظ الإيمان: «أن المواطن هو السيد والدولة كلها تعمل لصالحه وتسهر على راحته».. عموما الكلام المنمق جميل جدا.. وليس أذكى من الشعب المصري إدراكا لصياغات مسئولي العلاقات العامة المنمقة المهذبة الراسمة لصور فائقة الجمال بالمخالفة للحقيقة.

لكن.. وآه مما بعد "لكن".. هل تستطيع الحكومة أن تستمع بصوت العقل إلى همس معارض مخلص حريص على الدولة وشعبها وحكومتها؟.. الوقت الراهن بات بحاجة إلى قرارات جريئة ثورية مدعومة بإرادة سياسية فاعلة لعمل إجراءات موازية تكفل حماية محدودي الدخل – بالمناسبة لم يعد المصطلح قاصرا على عدد محدد- وكلنا والحمد لله أغلبية المواطنين محدودي الدخل ومنا من هم «عديمو الدخل».. أقول: «إننا بحاجة إلى تلك الإجراءات المرتقبة وأبرزها العمل على زيادة الأجور وتحقيق مفهوم "فرصة العمل الثانية" وليس مجرد توفير فرصة عمل واحدة».

الآثار الاجتماعية والأمنية المحتملة لحالة «الطناش» لما نعانيه الآن ليست محمودة العواقب.. أمانها معدلات جرائم مرتبطة طرديا بزيادة معدلات الفقر.. وجرائم أخلاقية مرتبطة بقناعة عن "استحالة الزواج" في تلك الظروف.. وسلسلة جرائم أخرى مرتبطة بالفساد الإداري والإهمال وإهدار المال العام.. أشد ضراوة من سابقتها.. وليس هذا بالطبع مبررا لارتكاب جرائم بقدر ما هو نصيحة مخلصة لحكومة من المفترض أن كبيرها وصغيرها شغله الشاغل هو فكرة الدولة ومفهومها الذي لن يقوم أبدا بمعزل عن روح الانتماء.

صحيح.. أن الحكومة ليس مطلوبا منها أن تعمل في ظل نظام رأسمالي دولي على اعتبار أنها لجميع المواطنين «بابا وماما»، لكنها قادرة على إدارة منظومة تستعيد بها دورا اجتماعيا وأخلاقيا واجبا في ظل الحفاظ على كينونة "الدولة" وحمايتها.. وكفانا ما عانيناه السنوات السابقة لثورة 25 يناير عام 2011 والتالية لها.. إنها أزمات علمتنا التجارب أن سبب اشتعالها غياب فكرة "الدولة" تلك الدولة التي يريدها المواطن نموذجا لإدارة الحياة كما ينبغي أن تكون.

باختصار أن معيار تقييم نجاح أي تجربة حكم إنما هي مرهونة بقدرة النظام الحاكم على تلبية ما يمكن أن نسميه "المطالب الحياتية اليومية" تلك هي الاختبار الحقيقي وعلى الحكومة الواعية أن تتعامل مع ذلك المفهوم "المطالب الحياتية" بخيارين لا ثالث لها وهما" إما أن تنجح أو تنجح" لأنه لا مفر من النجاح فأي طرح آخر غير ذلك، ستكون الدولة نفسها معه- أمام ما يهددها من أخطار خارجية ينتظر مدبروها بخبثهم هفوة في الداخل لإشعال البلاد– هي والعدم سواء.. حفظ الله مصر شعبا ودولة وحكومة.
الجريدة الرسمية