رئيس التحرير
عصام كامل

"كم عراقاً فى العراق؟"


كَتَبَ مستشرق فرنسي ذات يوم، أن في العراق شُعراء بعدد أشجار النخيل، فرد عليه مستشرق بريطاني يقول إنهم إذن متشابهون، وكلا المستشرقين كان على خطأ، لأن أهل النخيل أدرى بسعفه وشعابه، وأشجار النخيل كانت قبل حروب الخليج الثلاثة ضعف عدد السكان، أما التشابه فلا يدعيه إلا غريب عن هذه الشجرة الخالدة التي حملت في موروثنا العربي اسم "عَمّتنا النخلة".


فهناك عشرات الأصناف والسلالات لهذه الشجرة التي لا تنحني إلا وهي تموت، لكن لم يحدث أن أصبح البَرْحي طائفة، والخِستاوي طائفة أخرى وبقيت عائلة النخيل تغتني من تنوعها، وكذلك العراقيون؛ فقد تصدوا للاحتلال البريطاني معاً، وجاعوا معاً، وأخيراً لم تفرق غارات الاحتلال بين بيت وآخر، تماماً كما حدث في لبنان عبر الاجتياحات الصهيونية المتكررة، فلم يكن مكتوباً على قذيفة الفانتوم اسم طائفة، وعلى صاروخ كروز اسم طائفة أخرى، والبنية التحتية التي تم استهدافها لتدميرها كانت ولاتزال لبنانية فقط.
وحين نسأل كم عراقاً في العراق الآن؟ نَجزم بأن سؤالاً كهذا هو استنكاري لأن هناك عراقاً واحداً في العراق، حيث يتطابق تاريخ عريق مع جغرافيا شجية ولم يكن غريباً أن تكثر في أرض السواد حقول القصب، فمنه يصنع الناي وفي أحشائه يختلط الطين الأول والدم الأول والحرف الأول.
لكن ما أنجزه الاستعمار في كثير من البلدان التي ابتُليت به هو سياسة عُرفت باسم "فَرِّق.. تَسُدْ"، ولم يكن بريمر خارج هذا السياق، فهو تلميذ أنغلوساكسوني نجيب للورد كرومر الذي حاول تجفيف كل المفاهيم الوطنية والقومية في مصر والسودان ولو استطاع لجفف النيل كي تموت مصر من العطش.
هذا السؤال الاستنكاري حتى لو كان بأى صيغة يصح على لبنان ومصر وسائر أقطار وطننا العربي، فمن يسأل كم لبناناً في لبنان سوف يأتيه الجواب من المستقبل ومن أجيال كانوا أجنة في أرحام أمهاتهم أثناء الاجتياح، ومن يسأل كم مصر في مصر يتولى النيل الإجابة لأنه موزع بين الدماء والدموع والعرق.
إن المشهد العراقي الآن يبدو كما لو أنه شُطر بالسيف إلى طوائف، فأصبح التعدد إفقاراً وأنيميا وطنية بدلاً من أن يكون إثراء وتخصيباً، وبلد خرج من حروب عدة متعاقبة والدم ينزف من خاصرتيه كان عليه أن يأتلف رغم الاختلاف وأن يلتئم بعد أن تباعدت ضفاف جراحه البليغة، فما خسره العراقيون أكثر من المال وقد ينافس الدم قدر تعلقه بتعطل الحياة والتشريد حيث يعيش ثلثه في المنافي.
وأذكر أن باحثاً رصد عدد الساعات والأيام وبالتالي الأعوام التي أنفقها العراقيون خلال الحصار الجوي فكانت أعماراً .
لهذا فالعراق يعاني من مديونية في التطوير والإنتاج، وليس لديه من فائض الرفاهية ما يكفي لأن يتناحر وتتراجع هويته الوطنية وراء هويات فرعية وطائفية، هي في نهاية المطاف حروب الآخرين على أرضه وبدمه وعلى حساب مستقبل أجياله.
إن فائض الطائفية عندما يعمّ قد يصل إلى سلالات النخيل وحقول القصب وبدر السياب وناظم الغزالي والفراهيدي والمتنبي.
نقلاً عن الخليج الإمارتية
الجريدة الرسمية