رئيس التحرير
عصام كامل

حلم الدولة الكردية المزعومة


يشكل الأكراد صداعًا دائمًا في رأس تركيا وإيران والعراق وسوريا، فالأكراد أحد أكبر العرقيات التي لا تمتلك دولة مستقلة أو كيانا سياسيا موحدا معترفا به عالميا، ويعيش الأكراد في غرب آسيا شمال الشرق الأوسط بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس في المنطقة التي يسميها الأكراد كردستان الكبرى، وهي اليوم عبارة عن أجزاء من شمال شرق العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا، وهناك خلاف تاريخى حول أصل الأكراد فهناك من يذكر أن أصولهم فارسية ومن يقول عربية ومن يقول هندوأوروبية ومن يقول آرية، وأيًا ما كانت الأصول فإنهم الآن يتوزعون بشكل أساسى بين الأربع دول السابقة، ويقدر عددهم بنحو 27 مليون نسمة حسب تعداد 2012.


ويشكل أكراد تركيا 56% من مجموع الأكراد في العالم، وعددهم يزيد قليلا على 15 مليون نسمة ما يقرب من 20% من سكان تركيا، ويشكل أكراد إيران 16% من مجموع الأكراد في العالم ويقترب عددهم من 4.5 ملايين نسمة ما يقرب من 6% من سكان إيران، ويشكل أكراد العراق ما يقرب من 15% من مجموع الأكراد في العالم ويقترب عددهم من 4 ملايين نسمة ما يقرب من 12% من سكان العراق، ويشكل أكراد سوريا 6% من مجموع الأكراد في العالم ويقترب عددهم من 2 مليون نسمة ما يقرب من 8% من سكان سوريا، والمشكلة الرئيسية التي يواجهها الأكراد تاريخيًا في الدول الأربع أنهم لا يتمتعون بكل حقوق المواطنة، فدائمًا توجد مشكلات بينهم والسلطة السياسية في هذه الدول، وبالطبع تختلف حدة المشكلات من دولة لأخرى ومن فترة تاريخية لأخرى.

وكانت مشكلتهم الكبرى في تركيا منذ إقامة الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك، حيث منعهم من ممارسة لغاتهم في النواحي الأدبية والتعليمية والثقافية ومنعهم من تشكيل أحزاب سياسية واعتبار من يتحدث الكردية عملا جنائيًا، وفى إيران وبعد قيام الجمهورية الإسلامية 1979 تم حرمان الأكراد من أن يكون لهم ممثلون في كتابة الدستور الإيراني الجديد هذا إلى جانب إغلاق الصحف الكردية، وفى العراق كان صراع الأكراد مسلحًا ودمويًا منذ دمجهم في تكوين دولة العراق في سنة 1923 بموجب اتفاقية "سايكس بيكو"، وفى سوريا الأحزاب الكردية غير مرخصة قانونيًا، وفى عام 1962 أعلنت الحكومة السورية أن مليونًا من الأكراد ليسوا مواطنين سوريين بسبب عدم توافر بيانات عن أجدادهم قبل عام 1945، وفى 7 أبريل 2011 أصدر الرئيس بشار الأسد مرسومًا رئاسيًا برقم 49 لعام 2011 والقاضي بمنح الجنسية العربية السورية للمسجلين كأجانب في سجلات الحسكة وهم الأكراد.

ومن هنا تتضح معاناة المواطنين الأكراد التاريخية داخل مجتمعاتهم ومع تسليمنا بحقوقهم ومطالبتنا لهم بكامل حقوق المواطنة فإننا نرفض تحركات قياداتهم السياسية التي تدعو للانفصال وتقوم بالتعاون مع المشروع التقسيمي والتفتيتي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الصهيونية في المنطقة العربية، والذي تستخدم فيه الورقة الطائفية والمذهبية والعرقية لتقسيم المقسم وتفتيت المفتت، وإذا كانت معاناة الأكراد التاريخية قد خلقت جفاء وعداء تجاه الدولة الوطنية غير العادلة في تعاملها معهم فهذا ليس مبررا إلى تدمير وحدة الدولة الوطنية بتبنى دعاوى الانفصال والتحالف مع من يريد تدمير ونهب ثروات مجتمعاتنا التي يشكل الأكراد مكون رئيسي من مكوناتها الديموجرافية.

وإذا كان حلم تكوين الدولة الكردية موجودًا تاريخيًا فإن تحالف القيادات الكردية مع العدو الصهيوني قد زاد من إمكانية تحقيقه كلما تمكن المشروع الأمريكى– الصهيونى من تحقيق نجاحات داخل مجتمعاتنا العربية، فمع الغزو الأمريكى للعراق وتشكيل الولايات المتحدة لمنطقة حظر الطيران التي أدت إلى نشأة كيان إقليم كردستان في شمال العراق بدأت دعاوى الانفصال تتصاعد بشدة إلى أن شاهدنا مؤخرًا الاستفتاء المزعوم على الانفصال والذي رفعت فيه علانية أعلام العدو الصهيوني، هذا إلى جانب تحالف أكراد سوريا مع العدو الأمريكي الذي وعدهم بالانفصال أيضًا في حالة انتصار المشروع التقسيمي والتفتيتي في سوريا التي تخوض حرب كونية دفاعًا عن وحدتها وعروبتها.

لذلك على الأكراد أن يتخلوا عن حلم دولتهم المزعومة الذي لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب تدمير مجتمعاتنا العربية بل تدمير منطقة الشرق الأوسط بأكملها.. فإذا نجح الأكراد في تحقيق حلم الانفصال في العراق وسوريا فهل من المعقول أن ينجحوا في ذلك في تركيا وإيران حيث يشكل عددهم في الدولتين 72% من مجموع تعدادهم حول العالم؟ لن يحدث ذلك إلا بقيام حرب عالمية جديدة في المنطقة.. فالتركي والإيراني لن يقبلا بالانفصال تحت أي ضغط، وعلى المواطن الكردى في الدول الأربع أن يطالب بحقوق المواطنة كاملة، وأن يتصدى لمشروع التقسيم والتفتيت، وأن يلفظ قيادته السياسية المتعاونة مع أعداء الوطن من الأمريكان والصهاينة.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.
الجريدة الرسمية