رئيس التحرير
عصام كامل

في معية يوسف (٢٥)


تحمل قصة يوسف (عليه السلام) كثيرا من المعاني والدروس المفيدة لنا في حياتنا، وكيف أن النفس البشرية عندما تحمل غلا وحقدا وكراهية فإنها تدفع أصحابها إلى سلوك غير سوى تجاه الآخرين، حتى وإن كانوا من ذوي القربى، ربما يصل إلى حد القتل والعنف.. وفى قصة ابنى آدم التي رواها القرآن خير شاهد على ما نقول.. وعلى النقيض، عندما تكون هذه النفس نقية وطاهرة، فإنها تحفز أصحابها على فعل الخيرات نحو الآخرين، حتى وإن كانوا لا يستحقون..


ومن هنا كان لا بد من الاهتمام والتركيز على تطهير النفس مما قد يعلق بها، والعمل المستمر والدائم على تزكيتها والارتقاء بها كى يسود الأمن والأمان والطمأنينة والسلام، ليس على المستوى المجتمعي العام فحسب، وإنما على مستوى البشرية كلها، وساعتها لن نجد قتلى ولا حروبا ولا خرابا ولا دمارا كما نشهد اليوم...وهذه هي مهمة علماء الدين والنفس والثقافة والاجتماع.. لقد كان الهدف من بعثة النبى (صلى الله عليه وسلم) هو إشاعة الرحمة بين الناس جميعا (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وكما قال هو عن نفسه صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا رحمة مهداة".

عندما انطلق إخوة يوسف من مصر عائدين إلى بلادهم بالشام حاملين معهم قميص يوسف بناء على توصيته، يقول المولى تعالى (ولما فصلت العير) أي ولما خرج القوم من البلد، كما فعل طالوت عندما خرج بالجنود (فلما فصل طالوت بالجنود)..عند ذلك، أحس يعقوب (عليه السلام) أن ثمة شيئا قادما في الطريق يدل على أن يوسف لا يزال حيا، لأن إحساس الأب المكلوم عادة ما يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويستشعر ما لا يستشعره الآخرون (قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف)، قال ذلك لمن كان عنده من أهله..ثم أردف قائلا: (لولا أن تفندون) أي ربما يدفعكم قولى هذا إلى الظن بأن عقلي قد ذهب، أو أصابني خرف لكبر سني.. لذا، قال من عنده: لقد عدت تهذي مرة أخرى، ويبدو أنه أصابك خرف فعلا، والدليل على ذلك أنك صرت تردد على لسانك اسم يوسف الذي اختفى من حياتنا منذ زمن بعيد (قالوا تا الله إنك لفي ضلالك القديم)..

وعندما وصل حامل الخبر السار وهو قميص يوسف إلى أبيه يعقوب مؤكدا ما قاله لمن حوله (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه) أي طرحه على وجهه، فإذا بيعقوب يعود إليه بصره (فارتد بصيرا).. وهذه من قبيل المعجزات الإلهية التي أكرم الله تعالى بها نبيه يعقوب.. حينذاك قال (ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون) أي ألم أخبركم بأني أعلم ما لا تعلمونه من حياة يوسف، وأن الله سوف يرده إلينا لتتحقق الرؤيا التي رآها في صغره؟ قال المفسرون: ذكرهم بقوله (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون). روى أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، قال ما أصنع بالملك! المهم هو: على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة..

(قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين)، وذلك اعترافا منهم بمكانة ومنزلة أبيهم عند الله تعالى من ناحية، وإقرارا بخطئهم الذي ارتكبوه في حق يوسف من ناحية ثانية.. فأجابهم عليه السلام بقوله (سوف أستغفر لكم ربي) أي سوف اختار التوقيت الملائم لكى أتوجه إليه سبحانه بالدعاء أن يغفر لكم ويقبل توبتكم، لأنه تعالى (هو الغفور الرحيم)..
(وللحديث بقية إن شاء الله)..

الجريدة الرسمية