رئيس التحرير
عصام كامل

عبد الوارث الدسوقى.. عندما لا يموت القلم


في الثامن عشر من الشهر الجاري، تكون قد مضت ثماني سنوات على رحيل درة الصحافة المصرية الراحل العظيم الأستاذ عبد الوارث الدسوقى، أحد أهم ثلاثة أسندت إليهم ثورة يوليو إنشاء جريدة الجمهورية، وهو صاحب المنصب الوحيد الذي لم يتولاه غيره من قبله أو بعده، عندما أسند إليه الكاتب المبدع موسى صبرى مهمة نائب رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، وهو قبل هذا وذاك أصدق من أنكروا ذواتهم في تاريخ الصحافة المصرية.


لم أحظ بالتتلمذ على يده، غير أني كنت واحدا من تلامذة عاشقه الأول بلا منازع، الدكتور صلاح قبضايا مؤسس صحافة المعارضة في مصر، الذي كان يستحضر القيم النبيلة التي صكها وصاغها الدسوقى في حياته المهنية، فتسربت إليّ ومع عدد من زملائي، قيم نبيلة قلما تتكرر، كان الأستاذ والمعلم عبد الوارث الدسوقى هو بطلها بلا منازع.


وحكايات قبضايا عن الدسوقى كانت دورسا في العزة والإباء وإنكار الذات، وعلوما في البساطة وعمق التجربة والصدق مع النفس، وسيلا جارفا من العطاء والصلابة والقوة في مواجهة الباطل.. كان عبد الوارث الدسوقي مؤسسة قيمية وأخلاقية وصحفية وحده، وكان إطلالة حق عندما يعم الباطل، وكان كلمة صدق عندما يسود الكذب، وكان قوة عندما تزمجر خيول السلطان، وكان هدفا وغاية لتلامذته الذين نهلوا من بحر أفكاره بلا حدود.


اتصل به الأستاذ إبراهيم سعدة، ذات يوم، طالبا منه نشر مقال بصفحة الرأى في الأخبار، وكان المقال مرسلا إليه من السيد صفوت الشريف.. قرأ الدسوقى المقال فوجده ضعيفا لا يرقى للنشر بمؤسسة أخبار اليوم فلم ينشره.. عاود الأستاذ إبراهيم سعدة الاتصال به مرة أخرى، مستفسرا عن المقال، فكان رد الدسوقى أن المقال لا يرقى للنشر.. تلعثم سعدة وهو يشرح للدسوقى أن المقال محل اهتمام من السيد صفوت الشريف، فلم يكن الرد مرضيا.. قال الدسوقى: المقال لن ينشر لأنه لا يرقى للنشر.. لم يجرؤ إبراهيم سعدة على نشره تقديرا لقدر وقيمة الدسوقي، غير أنه أخبر صفوت الشريف بأسباب عدم النشر كما ذكرها الدسوقى.


مرت سنوات وأخبروا الدسوقى أنه سيكون من المكرمين في عيد الإعلاميين، وسيحصل على إحدي جوائز الدولة وأن الرئيس مبارك سيسلمه الجائزة في الاحتفال.. بعد أيام نشرت الأسماء التي سيكرمها مبارك وكانت خالية من اسم عبد الوارث الدسوقى.. قالوا للدسوقى إن صفوت الشريف رفع اسمه من كشوف المكرمين.. لم يغضب ولم يتأثر فقد كان آخر شخص يهتم بما يمكن أن يحصل عليه من جوائز.


في العام التالى، فوجئ الجميع باسم عبد الوارث الدسوقى بين الأسماء التي سيتم تكريمها في عيد الإعلاميين، وفي اليوم الموعود وقف المذيع ينادي أسماء المكرمين اسما اسما، وعندما وصلوا إلى عبد الوارث الدسوقي وقف المذيع مكررا النداء دون أن يتحرك أحد صوب منصة تتويج الجوائز حتى أدرك الأستاذ جلال دويدار أن الدسوقى رفض المجيء فنهض من موقعه وتسلم جائزة الدسوقى.


كان أحد تلامذة الدسوقى يتابع الحفل المعروض على شاشة التليفزيون، فاتصل على الفور بالدسوقي في منزله ليطمئن على صحته، فكان تعليل الدسوقى للأمر أن شروط الاحتفالات بحضور الرئيس غاية في القسوة، إذ لابد وأن يذهب قبل الحفل بساعة ولا يغادر إلا بعد مغادرة الرئيس بساعة، وهو أمر صعب -هكذا قال الدسوقى، منعه من الحضور.. كان هذا ما أعلنه الدسوقي لتلميذه إلا أنه أخبر أصدقاءه في اليوم التالى بالسبب الحقيقي عندما قال "جائزة يستطيع أن يمنعها صفوت الشريف لا تدخل بيتى".. يقال والعهدة على الرواة إن الجائزة فعلا لم تدخل بيته!!

كان الدسوقي متدينا وعالما وكاتبا فذا، حظي بثقة الشيخ الشعراوي، فكان هو كاتب خواطره بعد الراحل أحمد زين وكان الدسوقي صوفيا صادقا تنطبق أفعاله مع أقواله.. حكى لنا الدكتور صلاح قبضايا عن قرار الدسوقى الاعتزال والعودة إلى قريته بالمنوفية، وكان مقيما بشقة كبيرة بالقاهرة وكانت بنظام الإيجار.. اتصل بصاحب العقار وسلمه مفتاح الشقة بين دهشة الحضور دون أن يطلب شيئا!!


حكايات عبد الوارث الدسوقى لم تتوقف بعد رحيله، فبصماته لا تزال منحوتة بين الجدران، وفي نفوس كل أبناء أخبار اليوم يرددها الكبار لأجيال لم تحظ بلقائه.. هكذا هم العظماء لا يموتون أبدا وتبقى أعمالهم جلية تسرى في نفوس الناس.. يرحلون وتبقى هي نبراسا لأجيال وأجيال.. رحم الله أستاذا عرف قيمة الكلمة وآمن بها وحافظ عليها وقدرها حق تقديرها.
الجريدة الرسمية