رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكرى ميلاد عبدالرحمن الأبنودي.. الخال في أحضان الحبايب

فيتو

لم يكن عبد الرحمن الأبنودي، مجرد شاعر عامية حفر اسمه بنفسه، ومكانته بجوار أسماء، مثل فؤاد حداد وصلاح جاهين وسيد حجاب وفؤاد قاعود على مدى ما يقرب من نصف قرن تقريبا، وغنى له عمالقة كبار من أمثال عبد الحليم حافظ وصباح وفايزة أحمد ومحمد رشدى ونجاة ومحمد منير وعلى الحجار أروع الصور والكلمات، وفى ذكرى رحيله نستعرض لمحات من حياته، وروائع أشعاره.


عبر 20 ديوانا شعريا ومجموعة من الأفلام والمسلسلات كانت لغة الصورة السينمائية هي الطاغية طول الوقت على ما يكتبه الأبنودي، فحتى دواوينه حملت أسماء سينمائية من نوعية (وجوه على الشط، المشروع والممنوع، صمت الجرس، المدّ والجزر، الأحزان العادية، الموت على الأسفلت) وهذا الأخير كان بالفعل اسما لفيلم سينمائي، وعادة ما يلقى أشعاره بأداء تمثيلى صادق من القلب مما يؤثر في المتلقى ويشعره بالاندماج.

وبالتزامن مع حلول ذكرى ميلاده التي توافق 11 من أبريل نرصد أهم المحطات في حياة الخال.

ولد عبد الرحمن الأبنودي في قرية أبنود بمحافظة قنا، لأب كان يعمل مأذونًا شرعيًا وهو الشيخ محمود الأبنودي، وانتقل إلى مدينة قنا وتحديدًا في شارع بني على، حيث استمع إلى أغاني السيرة الهلالية التي تأثر بها، حصل على ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتوسعت معارفه الأدبية وقرأ لكبار الشعراء كالمتنبي وأبي العلاء المعري وغيرهما.

ولا يمكن أن نتحدث عن الأبنودي، دون الحديث عن والدته وصاحبة الفضل عليه، "فاطمة قنديل"، تلك المرأة التي ظلت محصورة في دور الأم والجدة والعمَّة فترة طويلة من حياته، رافضًا دخول الزوجة إليها، رغم إصرارها الشديد عليه للزواج في كل زيارة كان ينظمها لمسقط رأسه لرؤيتها، كما أنها تنبأت بزواجه من "نهال كمال".

حملت والدته همه منذ اليوم الأول له في الحياة، بعد أن كان مهددًا بالموت، إلا أنها رفعت يدها بالدعاء إلى ربها، مارست الطقوس المجتمعية في محاولة للعبور بوليدها إلى بر الأمان، وسط كلمات الأب التي تحاول التخفيف عن زوجته: "اتركيه يموت في هدوء، لا تتعلقي به، شدي حيلك وهاتي غيره"، إلا أن تصميم الأم على حياة ابنها أوصله إلى أعلى الدرجات، ليحفر اسمه في التاريخ بحروف من ذهب.

ولم تكن والدته ذات تأثير كبير في حياته، فكانت "نهال كمال" زوجته الثانية، تعرف عليها منذ السنوات الأولى لقدومه إلى القاهرة، وكان يراها صديقة جيدة، حب نهال كمال لأشعار الأبنودي، كان السبب الرئيسي وراء زواجه منها.

وكان يقول دائما: "لم تكن تكتب الشعر، ولكن هي التي أقرأ عليها أولًا كل إنتاجي الجديد، إنها الناقدة التي أعرف رأيها أولًا"، وكتب القدر على الأبنودي أن تؤثر المرأة في حياته، فرزق منها بابنتين هما "آية" و"نور"، فكان بمثابة الصديق والأخ قبل أن يكون الأب، وتأثرا به وشكل وجدانهما، حتى ورثت ابنته "نور" الشعر من أبيها لتكتبه باللغة الإنجليزية.

ويعد الأبنودي واحدا من أشهر شعراء العامية في مصر، وله العديد من دواوين الشعر التي مزجت بين البساطة والرقي، وعبرت عن طبقات الشعب المصري بصدق، فعبد الرحمن الأبنودي، أو كما يلقبه محبوه بـ"الخال"، الذي تشابهت ملامحه السمراء ولهجته الصعيدية، مع الكثير من هموم البسطاء، الذين عبر عنهم في أشعاره، بكلمات عاشت في وجدناهم لسنوات طويلة، وتغنى ببعضها العديد من نجوم الطرب في مصر والعالم العربي.

جمعت كلمات عبدالرحمن الأبنودي، بين الكثير من نجوم الفن قديما وحديثا، فدبت كلمات أغنياته الوطنية بصوت العندليب الراحل عبدالحليم حافظ، الحماسة في الجنود والشعب في أغنيات "عدى النهار"، و"أحلف بسماها وبترابها"، وأخرى رومانسية تضمنت طعم الفلكلور المصري، مثل "كل ما أقول التوبة"، و"أحضان الحبايب" في فيلم "أبي فوق الشجرة"، وغيرها من الأغاني التي حققت نجاحا كبيرا في مشواري "العندليب" و"الخال"، اللذان كانا خير معبر عن الشارع المصري وقتها.

ويعود سر تلقيب الشاعر عبدالرحمن الأبنودي بـ"الخال"، هو حب الشعب المصري الشديد له وإقبالهم على أشعاره وأعماله المغناة، حيث كشف الروائي جمال الغيطاني، سر هذه التسمية، قائلا: "الشعب المصري عندما كان يحب أحدا ويثق فيه، كان يسميه الخال، لأن الخال لا يرث وليس لديه أية مطامع شخصية، ولذا فقد أطلقوا على الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لقب الخال"، وجاء ذلك خلال الاحتفالية التي أقيمت بمؤسسة جريدة الأهرام، احتفالا بذكرى ميلاد الأبنودي عام ٢٠١٤.

حققت أعمال الخال الشعرية والأدبية، نجاحا كبيرا خلال مشواره، وكانت السبب في نقلة نوعية لشعر العامية في مصر، ونتيجة لذلك حصل الأبنودي على جائزة الدولة التقديرية عام ٢٠٠١، ليكون بذلك أول شاعر عامية مصري يفوز بجائزة الدولة التقديرية، كما فاز بجائزة محمود درويش للإبداع العربي لعام ٢٠١٤، وكانت آخر أعماله، هي قصيدة حملت عنوان "مرسال"، ووجهها إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعد انتشار غلاء الأسعار وقتها.

في مقر الأدباء والمفكرين بمقهى "ريش" بوسط القاهرة أو إحدى عوامات النيل، يلتقي الشاعر بالأديب المصري "نجيب محفوظ"، أول عربي حاز على جائزة نوبل في الأدب، جمعتهما صداقة حميمة، كان يردد الأبنودي دائما لصديقه: "الحمد لله إنك لم تكن شاعرا، حتى لا نحمل حقائبنا ونعود إلى بلادنا".

حمل تاريخ "الخال" بعض العداوة لسيدة الغناء العربي "أم كلثوم"، عندما هاجمها في أكثر من مناسبة، ورفض طلبها بكتابة قصائد لها، وكانت بداية العداوة بجملة قالها: "لا أتصور أننى ممكن أضيع ساعتين عشان أسمع أغنية لأم كلثوم، وأفضل أن اقرأ كتابا"، جاءت هذه الكلمات على لسان الخال عبد الرحمن الأبنودي، وعبر من خلالها عن عدم انتمائه لمدرسة عشاق كوكب الشرق، التي تقدر بالملايين في مصر والعالم العربي، فقرر الأبنودى أن يختلف عن هؤلاء الملايين، وآمن بمدارس غنائية أخرى كثيرة على قمتها العندليب عبد الحليم حافظ الذي أهدى له أروع قصائده.

حكايات الأبنودي عديدة وممتدة على مدار مراحل حياته، خاصة مع حكام مصر، أبرزها سؤال عبدالرحمن أثناء مرور موكب عبد الناصر، لزميله جمال الأنصاري: "مش الراجل اللي هناك ده شبه جمال عبدالناصر اللي في الصورة؟"، فقال له: "باينُّه هو!"، فذهبا إليه، ووقف "الأبنودي" أمام "عبدالناصر" وقال له: "أنت جمال عبدالناصر؟"، فردّ: "أيوه"، قال عبد الرحمن ببراءة: "ممكن أسلم عليك؟"، فسلم عليه ونظر له نظرة ظلت محفورة في ذهن الخال، حتى إنه قال إنها سبب كتابته قصيدة "عبدالناصر" بعد ذلك.

في يونيو 1975، كان «السادات» يفتتح قناة السويس، ومعه عبدالرحمن الشرقاوى، وأنيس منصور، فنظر إلى الشط ووجد الفلاحين على الشاطئ، فقال: «مش دول بتوع عبدالرحمن الأبنودي بتوع وجوه على الشط، أمال الأبنودي فين؟».

بعدها ورد للأبنودي اتصال من فوزي عبدالحافظ، مدير مكتب «السادات» يقول له: «سعادة الريس منتظرك في استراحة المعمورة»، فرد عليه: «يا عم أنا ماعرفش استراحة المعمورة ابعتولى عربية»، فقال له عبدالحافظ: «لأ.. اتصرَّف وتعالى.. وكلمنى لما توصل إسكندرية».

وبالفعل اتصل «الأبنودي» من مقهى على الكورنيش لدى وصوله، وتم إرسال سيارة سوداء لتقلّه، ولما وصل انتظر دقائق حتى قابله «السادات»، فقال: «أنت جيت يا عبدالرحمن»، فردّ: «أهلًا سيادة الرئيس»، ومد «الأبنودي» يده ليسلم على الرئيس، لكن كانت الطاولة بينهما طويلة بحيث يضطر الخال للانحناء أثناء المصافحة، وهنا ظهر مصور من العدم، والتقط تلك الصورة أثناء مصافحة الخال لـ«السادات» وهو منحني، ويقول “الأبنودي” في هذا الشأن إنه أحد «ألاعيب السادات».

انضم «الأبنودي» بعد هذا اللقاء إلى حزب التجمع، فغضب «السادات»، وبعث له مع أحد الأشخاص أن «السادات بيعملك وزارة اسمها وزارة التثقيف الشعبى.. مبروك هتبقى وزير»، وانتشرت الأخبار الكاذبة بعدها تباعًا عن لقاءات – لم تحدث- بين السادات والأبنودي، فاتصل الخال بفوزي عبدالحافظ وقال له: «يا فوزى بيه أنا راجل شريف، والشارع هو اللى عملنى مش الحكومة، الحكومة اللى قبلكم حبستنى، فلو سمحت أنا مش بتاع حد، أنا من الشارع المصرى، وإذا كان وجوه على الشط أثّر في الرئيس فده لأنى صادق مع الناس مش مع الرؤساء، وقول للريس إن أنا ما انفعش للشغلة دى»، فرد «عبدالحافظ»: «كده يا أستاذ!.. حاضر».

انتهت بذلك العلاقة بين «السادات» و«الأبنودي»، وبدأت بعدها سلسلة من التحقيقات مع «الخال»، بعد كل قصيدة تنزل على «السادات» كالقذيفة، وأصبح الخال من روّاد «أمن الدولة» الدائمين.

وكان لـ«مبارك» نصيب من لقاءات الخال، أولها كانت بعد أن أعجب بأغنية «مصر يا أول نور في الدنيا»، وعلم أن «الأبنودي» هو من كتبها، فطلب مقابلته، واتصل مكتب الرئيس به وأخبره أن ميعاد اللقاء في التاسعة صباحًا، فردّ عليه الأبنودي: «أنا باصحى الساعة 11، يا ريت تأخروا لى الميعاد شوية»، فتعجب المتصل وقال له: «يا أستاذ أبنودى ده ميعاد رئيس جمهورية»، فذهب الأبنودي في الميعاد لمقابلة مبارك، ورحب به، وقال له: «أنا سمعت الأغنية وسعيد بها»، وبدأ بينهما حوار امتد لساعات، قال مبارك: «أنا أول واحد بيصحى في البلد دى علشان أضمن أن العيش وصل للناس»، ردّ الأبنودي: «يا ريس مفتاح البلد دى هي الديمقراطية».

كثيرون ألفوا كتبا عن الخال، وصدر مؤخرًا عن دار "المصري" للنشر والتوزيع، كتاب "الخال" للكاتب الصحفي محمد توفيق، يتناول فيه سيرة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الذاتية، ويرصد الكتاب قصص الأبنودي الآسرة، وتجاربه المليئة بالمفارقات والعداءات والنجاحات والمواقف.

في مقدمة كتابه، يقول توفيق: "هذا هو الخال كما عرفته.. مزيج بين الصراحة الشديدة والغموض الجميل، بين الفن والفلسفة، بين غاية التعقيد وقمة البساطة، بين مكر الفلاح وشهامة الصعيدي، بين ثقافة المفكرين وطيبة البسطاء، هو السهل الممتنع، الذي ظن البعض - وبعض الظن إثم - أن تقليده سهل وتكراره ممكن".

وقد احتفلت جامعة مدريد في إسبانيا، بصدور أول ديوان للشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي، بعنوان "أحزان عادية"، باللغة الإسبانية، وقررت إدارة الجامعة تدريس أشعار الديوان لطلابها، وحضر الاحتفالية أرملته الإعلامية نهال كمال، وابنته "نور"، وعدد كبير من طلاب الجامعة، والدكتور باسم صالح، المستشار الثقافي بالسفارة المصرية في إسبانيا، وآخرون.

يذكر أن الخال رحل عن عالمنا، قبل عامين في ٢١ أبريل عام ٢٠١٥، بعد صراع مع المرض، عن عمر يناهز ٧٧ عاما.
الجريدة الرسمية