رئيس التحرير
عصام كامل

رجل المهام الصعبة


أن يؤمن إنسان بالإسلام دينًا وهو ما زال بعد وليدًا لم تتبين ملامحه في أرض الواقع، بل لا يحمله في هذا العالم سوى شخص واحد، فهذه قضية جديرة بأن نقف عندها ونتأملها.. وعندما يعلم هذا الإنسان أن الدنيا كلها سوف تحارب هذا الإسلام وتحارب من يحمله، فهو بلا شك عظيم حقًا.. هكذا كان الصديق (رضى الله عنه).. كأنما اختارته العناية الإلهية في تلك الفترة لكي يكون سندًا وظهيرًا لدعوة الإسلام..


ففى حياة الدعوات -كما في حياة الأمم- ساعات فاصلة تحتاج فيها إلى رجال ذوي همم عالية وعزائم صلبة، يستيقظون حين ينام الناس، وينشطون حين يتراخون، ويتقدمون حين يتراجعون.. هؤلاء يحملون أرواحهم على أكفهم، لا يبالون بأي مخاطر تعترض طريقهم.. يواجهون أعتى العواصف بأقدام ثابتة وهامات شامخة.. يضربون المثل والقدوة في الثبات على العقيدة، والمحافظة على سلامة المنهج، والارتباط بالهدف ولو كلفهم ذلك حياتهم..

والمتأمل في سيرة الصديق يجد تاريخًا متوهجًا لا يملك الإنسان معه إلا أن يحمل له في قلبه كل تقدير وإعزاز وإجلال.. انظر إلى موقفه من مسرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وإلى فرحته ولهفته ورجائه وعنايته به في رحلة الهجرة.. وتأمل أيضًا جهاده وشجاعته وإقدامه في الغزوات كلها.. ولاحظ كذلك وقفته الكبرى يوم وفاة الحبيب المصطفى.. ثم انظر إلى يوم توليه الخلافة في ظل ظروف عصيبة تنوء بحملها الجبال، وإنفاذه جيش أسامة، وقفته الحاسمة إزاء المرتدين، وجمعه القرآن، والفتوحات الميمونة التي تمت في عهده.. وهكذا عظماء التاريخ ترتبط بهم أعمال عبقرية لا يستطيع القيام بها غيرهم..

لقد كانت السمة الغالبة التي ميزت الصديق هي التأسي الكامل بالنبي.. وكأنما أراد المولى تعالى أن يعوض المسلمين في فجيعتهم الكبرى بهذه الشخصية الباهرة التي تسير على نفس الدرب وتقتفي ذات الأثر، تحافظ على صرح الإسلام واستقرار دولته، وتقف في وجه الطامعين فيها، وتدرأ فتنة الارتداد عن الدين..

نعم لا يستطيع أحد -كائنًا من كان- أن يملأ الفراغ الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الصديق كان أقرب الصحابة إلى ذلك، لذا كانت خلافته -رغم قصر مدتها- امتدادًا مهما لحياة المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. إذ كانت حاجة المسلمين في هذا الوقت العصيب إلى فترة انتقالية ينسون فيها أحزانهم ويستعيدون فيها ثقتهم بأنفسهم.. فلا شيء يصيب الأمم أفدح من الانهيار النفسى، وفقدان الرؤية، واختلال الموازين، والشعور بالعجز، وضياع الأمل من جراء فقد أو غياب القيادة الحانية.. وكان الصديق هو رجل الساعة في هذه المرحلة الفاصلة، إذ استطاع أن ينتشل المسلمين من حالة اليأس التي استبدت بهم، وأن يدفع بهم إلى العمل المستمر والجهاد المتواصل بدلا من الاستسلام للنحيب والنواح والعويل.. وكان ذلك فتحًا.
الجريدة الرسمية