رئيس التحرير
عصام كامل

ابنتي هي مثلي الأعلى!


تحت هذا العنوان كتب المفكر الكبير والسياسي البارز الدكتور حسام بدراوي في صفحته على "فيس بوك" رسالة إلى ابنته، أنا استأذنته في نشرها وهو وافق على ذلك حتى تعم الفائدة منها حيث كتب يقول:


"لا تتعجبوا من العنوان، فابنتي داليا صارت مثلا أعلى لي...

المعتاد أن يكون الوالد هو المثل الأعلى والاستثناء هو ما أنقله إليكم.

طول عمرها وأنا أسميها "أفكاري السعيدة" لأنها إنسانة متفائلة، مبتسمة، جميلة المظهر والمدخل، ثم وهي في سن الثامنة والعشرين، وفجأة، ظهر لها مرض السكري وفي خلال شهور قليلة توغل المرض وأصبح جسمها خاليًا تمامًا من الأنسولين اللازم لحياتها ونشاطها وطاقتها، بكل ما يعنيه هذا المرض من احتياج لتغير مطلق لنوعية الحياة، والعلاج المستمر، والحقن والقياس، وتغيير شكل ونوعية الغذاء.

فجأة أصبحت ابنتي، "أفكاري السعيدة"، وهي أم لثلاثة أطفال، وزوجة، وامرأة عاملة، في احتياج لصياغة حياتها بشكل جديد.

وبكل ما في مشاعر الأبوة من صدق تمنيت أن أكون أنا وليست هي التي يصيبها المرض، أما والدتها، وبتدفق حب هائل قررت أن تحرم نفسها من أي شيء سيمنع المرض ابنتها من فعل أو أكلة لتشاركها جزءًا من معاناتها.

رأيت ابنتي، بشبابها وعلمها ونضارتها تدخل مرحلة لم تكن معدة لها نهائيًا، وسط مسئوليات حياتها التي تأخذها بجدية والتزام.. ولأننا أسرة تقرأ وتناقش كل شيء فقد أصبحت معلوماتها عن مرض السكري على مستوى معلومات المتخصصين وقد يكون أكثر، ولأني طبيب وأعلم أن نصف المعلومة أشد ضررًا من الجهل في المرض أحيانًا، فقد أمددتها بوسائل المعرفة المتاحة بقدر هائل من الوعي بما أصبحت عليه عندما تمكن من جسمها مرض مزمن سخيف عضال.

وأضيف إلى وعيها ومعارفها "تجاربها وسائل العلاج المختلفة"، وتطبيق القواعد في الغذاء، إلى استخدام مضخة الأنسولين والسفر إلى أكبر مراكز التخصص لمنع مضاعفات المرض وكيفية الحياة وهو يلازمها..

داليا غيرت حياتها، بإرادة حديدية.. وفي خلال سنوات قليلة تحكمت في جسدها بالرياضة إلى أن أصبحت قائدة لآخرين ومعلمة في الكورس، بل افتتحت مع أصدقاء لها مركزًا للممارسة والتدريب.

وبتحديها المرض تدربت شهورًا لتجري ماراثون الثلاثة وأربعين كيلومترًا في باريس، وأنجزته، وتحدت قدرات جسمها لتدخل الألعاب الثلاثية، سباحة، وسباق دراجات، وماراثون في الغردقة وأكملته.. غيرت عوايد طعامها إلى طعام منظم، صحي، متكامل.. ولم تتوقف عن التدريس للأطفال باستخدام الموسيقى وهي كانت ما تقوم به فقط قبل المرض.

تفعل ذلك وهي تلازم بناتها وتشجعهن ليمارسن معها الرياضة، وتذهب معهن للجمباز والباليه ولتدريب الموسيقى.. وتحضر كل نشاط مدرستهن، بل وتشارك الأمهات في المدرسة مع الأطفال في كل نشاطهم.. وتقرأ معهن ولهن في المنزل.. وتملأ حياة أسرتها بالبهجة والسرور.. يساندها زوج إنسان، ويشاركها وتشاركه في بناء أسرة سوية جميلة.

أنظر إلى داليا، "أفكاري السعيدة"، وأقول لنفسي كيف فعلت وتفعل ذلك؟! 

كم أنا مقدر ما تقوم به من لحظة ما تبدأ يومها الساعة السادسة صباحًا مع بناتها إلى ذهابها لعملها وممارسة نشاطها وحياتها وهي حاملة أوزار مرض السكري العضال، لتقيس، وتحلل لنفسها دمها وتضبط معايير غذائها، وتبتسم، وتبهج كل من حولها.

ولأنها إنسان جميل فإنها كرست جزءًا من مجهوداتها لمساندة الأطفال المصابين بالسكري لتمنع عنهم كوارث المرض بعد مرور السنين.. أنظر إليها وإقول هذه امرأة تستحق أن تكون مثلا أعلى.

لا هي فرطت ولا تكاسلت ولا انهارت بل واجهت بابتسامة، وانتصرت بإرادة.

ولا يحس أحد ممن حولها بما فيها ولا تحمل واحدًا من أسرتها همها ولا لحظات أسى وخوف قد تكون قد مرت أو تمر بها... يا لها من بطلة في عيني.

ولماذا أكتب ذلك عنها..... أكتب لأن هناك في كل مكان، شابة وشابًا مثلها، فنسبة الإصابة بالسكري في مصر مرتفعة جدًا، ومضاعفاته أراها في المرضى كل يوم.

هناك ملايين مثل داليا يواجهون تحديات مختلفة، وعليهم أن يأخذوا حياتهم في أيديهم، فلا يبتئسوا، ولا يستسلموا، بل يعلموا أن الإرادة والمعرفة والجدية، تصنع من كل واحد منهم، بطلا لنفسه ولأسرته، وداليا خير مثال على ذلك.

يا ابنتي أحبك أحترمك، وأساندك وأدعمك، وأفخر بك. 
والدك

إلى هنا انتهت رسالة الدكتور حسام بدراوي التي قرأها ونشرها وأعجب بها أكثر من مليون ونصف المليون شخص في أقل من 48 ساعة، وكما قال لي الدكتور بدراوي إن هدفه من نشرها هو نقل روح الأمل لمرضى السكري وأنه يمكنهم الحياة والتعايش مع هذا المرض اللعين الذي وصلت نسبته إلى أكثر من 15 % من الشعب، وأصبحت مصر من أول عشر دول في العالم إصابة به، وأنا أقول للدكتور حسام صاحب الوجه البشوش والمتفائل بطبعه نحن في أشد الحاجة إلى روح التفاؤل هذه في كل مجالات حياتنا لمكافحة اليأس والإحباط، حيث تمكنا من المصريين حتى حينما تسير في الشارع تجد الكآبة على الوجوه ولا يمكن أن يكون هناك عمل مع اليأس وإنتاج مع الإحباط وإبداع مع الكآبة... واللهم احفظ مصر.
الجريدة الرسمية