حياة.. وآلام.. وجروح.. ودموع
آه.. ما هذه الحياة التي كلها آلام لا تنتهي.. وجروح لا تنبري.. ودموع من العيون تجري؟! لو علمنا حقيقة الحياة، ما توقفنا لحظة لنغترف من الشهوات.. ولو أدركنا ماهيتها ما أضعنا هنيهة في اللهاث وراء الماديات.. هي مجرد آلام.. وآلام.. وجروح.. ودموع.
دائرة تدور.. يجيء الناس ويروحون.. لا شيء ثابت.. ولا أحد باق.. ولا أمر مستديم.. تعصف اللوعة بالقلب المحزون.. تلهو به كأنه عصيفير تتقاذفه الأنواء.. أو ذرة من رمل تقهرها الأمواج.
شعوري حال يتناهى إلى مسامعي نبأ رحيل صديق، أو رفيق في مرحلة من مراحل العمر القصير.. ألوكه بطعم العلقم.. وأزدرده بفم ممرور.. مجبر على السمع والطاعة، والانحناء للقدرة والجبروت.
آه.. ما هذه الحياة التي كلها آلام لا تنتهي.. وجروح لا تنبري.. ودموع من العيون تجري؟!
يستأذن كل يوم أحد من في الركب.. سعينا معًا.. كثيرًا.. في طلب الرزق، ماديًا أو معنويًا.. تعبنا.. أرهقتنا السنون.. بعض السائرين في القافلة يسقط مبكرًا.. لا يطلب المزيد.. يكتفي بما حمله من متــاع، أو ينوء بحملة؛ فيلوح مودعًا.. وآخرون لا يلتفتون حتى.. بل يغيبهم الاختفاء المفاجئ.. يرفضون التلويح حتى.
آه.. ما هذه الحياة التي كلها آلام لا تنتهي.. وجروح لا تنبري.. ودموع من العيون تجري؟!
نعيش متجمعين.. نسير كركب.. منا راجل، ومنا راكب، ومنا حاد، ومنا من يقود.. لكن في اللحظة الأليمة، يرحلون فرادى.. لا يحتفظ أحد حتى بمتاعه.. بل يتخفف من كل الأثقال.. يسارع بالاختباء خلف الغيوم ذات البعد اللامتناهي.
هو الرحيل إذًا.. فليقشعر الجسد ما شاء.. وهي الغربة، عانينا جميعًا منها.. مفترسة لا ترحم، فلتدمع العين أو لتنهمر الدموع كما يحلو للحزن أن يقتحم حياتنا.
لماذا نتمسك بالأمل.. هنا لا مجال.. لا أحد يملك من أمر نفسه شيئًا.. لماذا نتحارب، ونشتجر، ونتقاتل على لا شيء؟ لماذا نبني والموت يهدم؟! ويهزم؟! هو المنتصر دومًا، على أقوى الجبابرة، وأعتى الأكاسرة، وأشرس الوحوش.
معظمنا يتوهم أنه يعيش للأبد.. وأنه سيخلد إلى ما لا نهاية.. وهذه الطامة الكبرى.. ففجيعته في الوهم مروعة، وخيبة أمله في الخيالات هائلة.. "مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ".
آه.. ما هذه الحياة التي كلها آلام لا تنتهي.. وجروح لا تنبري.. ودموع من العيون تجري؟!
يقولون في المثل الشعبي: "كل شيء يبدأ صغيرًا ثم يكبر، إلا الحزن فإنه يبدأ كبيرا ثم يصغر".. ما مدى دقة هذا القول؟ أعتقد أنه لا يصح على الدوام.. فأحيانًا ما يبقى الحزن ضخمًا، بل يتضخم على مر الأيام.. ولا يعتريه الصغر والتراجع إطلاقًا.
آه.. لو اعتبرنا بالماضين من قديم.. لربحنا كثيرًا، لكننا أبينا إلا أن نضرب عرض الحائط بالعبر، والمشاهد المؤلمة التي تترى أمام ناظرينا.. آه لو أثرت فينا قصص الأولين، وحكاوى المسرفين.. الذاهبين بغير عودة، والمظعنين بلا أوبة.
آه.. ما هذه الحياة التي كلها آلام لا تنتهي.. وجروح لا تنبري.. ودموع من العيون تجري؟!
