الإحباط والشباب.. وزمن الثورات!!
شاعر جيد، صدر له أكثر من ديوان، لا يشعر بضيقة مالية، ولكنه حزين، مرتبك، يرى أنه لا يفعل شيئا، فاجأنى قائلا: نحن جيل غريب، نقترب من الأربعين ولم نفعل أي شيء، لانرى أن هناك مستقبلا، أحلامنا صغيرة لا تكاد تُرى بالعين المجردة، هناك أزمة نعانى منها ولا أحد يشعر بها، جيلنا فقد إقامة حياة طبيعية، معظمه مطلق، نسبة الطلاق بين جيلنا غير مسبوقة، الأغلبية مطلقة، والأقلية نجت من هذا المطب ونجحت في إقامة بيت وأسرة، والجزء الأوسط منا لم يتزوج، أصبح عادي جدا أن تجد بنات تقترب من الأربعين ولم تتزوج، والكثير من الشباب وصل للأربعين ولم يتزوج..!
إننى أحسد أبى، في سنى هذا كان محقق كل ما طمع فيه، تزوج وأنجب إخواتى جميعا، حصل على الدكتوراه، سافر إلى الخليج وعاد بما يغنيه عن سؤال اللئيم، عاش في داخله أحلام كثيرة، حتى اليوم وعمره تجاوز السبعين، ما زال يحلم على الأقل يحلم بأبنائه وأحفاده.
صمت الشاعر النابه الحزين ثم أضاف: كنت في التحرير منذ بداية 25 يناير وكان لى دور فى الدفاع عن الميدان في ما سمى بموقعة الجمل، وكنت أسخر من تحريم الخروج عن الحاكم، وكنا نرى أن رحيل مبارك حتمى وستكون الدنيا بعد ذلك على ما يرام، اليوم عندما أنظر إلى الثمن الذي تدفعه مصر مقابل التخلص من الرئيس الأسبق حسنى مبارك، أرى أن الثمن باهظ ولا يستحق خلع مبارك كل ما دفعته مصر من دماء ومال وتراجع في كل شيء.
كنت أسخر من كلمات أبى وأنا طفل، عندما كان يتحدث عن أحلامه للغد، واليوم أشعر وجيلى أن أحلامنا للغد تقريبا مسخ من حياتنا، فرحنا لأن صفوت الشريف وأنس الفقى ذهبا مع الريح، فجاء عشرات من مجارى القاهرة تطل علينا كل يوم من شاشات تحركها المصالح وليس مصلحة مصر.
فوجئت بالشاعر المحبط يقول حتى الأحزاب الجديدة التي حلمنا لتكون لها القدرة على تحقيق طموحنا السياسي إلا أنها خذلتنا ولا تختلف عن غيرها للأسف الشديد، وأشار بعصبية بيده وقال: جيلكم كان يحلم حتى لو كانت أحلاما مستحيلة، كان يحلم بالوحدة العربية، كان يحلم بتحرير فلسطين، كان يحلم بنهضة في كل شيء، حقق أشياء وعجز عن أخرى، في الثقافة على الأقل قدم السينما والمسرح وتكونت أجيال في النقد والموسيقى والكتاب والنشر، وفشل في تحرير فلسطين وفشل الحلم بالوحدة العربية، ولكن انتصرتم في 6 أكتوبر 73 وحررتم سيناء، وتوقف نزيف الحرب، جيلكم كانت له أحلام وإخفاقات وآمال وهزائم، نحن لا نعرف شيئا عن الأحلام ولا ندرى كيف نحلم ؟ نحلم مع مجلس نواب ما أنزل الله به من سلطان ؟ نحلم مع إعلام متخلف جاهل لا يقدم شيئا من أجل مصر؟ نحلم مع نخبة فاشلة انتفضت من أجل كاتب قدم عملا لا يصلح إلا أن يوضع في المراحيض أو كباريهات العهر والفجور ولم نسمعهم ذات مرة انتفضوا من أجل المواطن وهمومه اليومية؟
صمت الشاعر النابه وكادت تسقط الدموع من عينيه، فشل في تجربة زواجه وحلم مع ثورة 25 يناير وشعر بأنها ماكان لها أن تأتى لأن الثمن باهظ وأكثر مما توقع الجميع، والحقيقة ارتديت ثوب الحكمة ووضعت يدى على كتفه بحنان أبوى وقلت الإمام ابن القيم يقول: لن يقاسمك الوجع صديق، ولن يتحمل عنك اﻷلم حبيب، ولن يسهر بدﻻ منك قريب، اعتن بنفسك، واحمها، ودللها وﻻ تعط اﻷحداث فوق ما تستحق.
تأكد حين تنكسر لن يرممك سوى نفسك، وحين تنهزم لن ينصرك سوى إرادتك، فقدرتك على الوقوف مرة أخرى لا يملكها سواك،ل ا تبحث عن قيمتك في أعين الناس.. ابحث عنها في ضميرك فإذا ارتاح الضمير ارتفع المقام.. وإذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك !. لا تحمل هم الدنيا فإنها لله، ولا تحمل همَّ الرزق فإنه من الله، ولا تحمل هم المستقبل فإنه بيد الله.
قال الشاعر الشاب: ونعم بالله.. سأحلم من جديد، سأتزوج وأعلم أولادى احلموا ولا تيأسوا طالما المستقبل بيد الله..!
احضتنى وبكى وبكيت وغسل كل منا همومه بدموعه.. دموع أراحت الصدر، ألا بذكر الله تطمئن القلوب....!
