رئيس التحرير
عصام كامل

ومتى كان الأستاذ هيكل ثوريًا ؟


في خسمينيات القرن الماضي وقف مصطفى أمين يسأل تلاميذه من هو الصحفي القدوة بالنسبة لكم، جاوبوا جميعًا «هيكل»، مؤسس أخبار اليوم هو من روى تلك القصة!


مصر بلا هيكل، الأستاذ رحل تاركًا وراءه تاريخا صحفيا لن يتكرر، لم أنتم إلى جيل الأستاذ أو حتى جيل تلاميذه، الرجل صنع مجده قبل ولادتي بثلاثة عقود على الأقل لكن مؤلفاته كانت بداية لأتحسس طريقي نحو عالم القراءة.

الجورنالجي كثيرون حساده وكارهوه لأسباب كثيرة منها الغيرة والبغض لكل من هو ناصري والفشل في الوصول إلى مكانته التي حافظ عليها لعقود، ثمة أسباب أخرى كشف عنها مواقع التواصل الاجتماعي وهي أن الأستاذ لم يكن يومًا ثوريًا وقد أيد ما حدث في 30 يونيو ولم يعارض مبارك وصار مع كل رئيس.

الحقيقة التي لا تقبل الشك أن الأستاذ لم يكن ثوريًا– هذا أمر لا يعيبه– لم أضبطه يومًا يطالب برحيل أي نظام، يدعو الجماهير للتحرك، يهتف وسط الجموع، رفضه لكامب ديفيد موقف وطني شاركه فيه كافة القوى السياسية، تحدث عن مظاهرات 77 بأنها إنذار، وصف ثورة يناير بأنها شبابية وليست له علاقة بها من باب احترام فرق الأجيال، انقلاب 52 لم يكن يعرف عنه شيئًا وإن كان يلوح في الأفق، حتى انتماء الرجل السياسي لا أعرفه، فهو مع التجربة الناصرية لكنه ليس اشتراكيا أو ليبراليا، كتابته لم تقترب من الشيوعية وهم مسلم سني وليس شيعيًا.

ما الحكاية ؟
الأستاذ مفكر ورجل تحليل، هيكل لم يخلق ليؤيد أو يعارض أو يتظاهر هذا مكسب لنا جميعًا، كل شيء عنده يخضع للتحليل المكاسب والمخاسر التنبؤات والتحذيرات، ثمة رجال كثيرون من هذا النوع، استطاعوا أن يجردوا أنفسهم من أي أيديولوجية لم يكرهوا أو يحبوا، ترفعوا عن المشاعر فبقي لهم التحليل والرأي، «بصراحة» لم يكن مقالا صحفيا كان نبوءة سياسية، لقاءاته مع زعماء دول العالم وفرت له مادة جيدة للانطلاق، الوثائق التي لهث وراءها من نيويورك إلى طهران منحته الكثير مما يمكن قوله، صحيح أنه صنع مزيجًا بين الصحافة والسياسة وأثبت أنه جورنالجي ناجح لكن جنبًا إلى جنبًا كان التحليل هو همه، أنشأ معهد الأهرام ليكون منبرًا للتحليل، قلمه الرصاص لم يفارقه يومًا.

هذا هو الأستاذ بعيدًا عن أهوائه أو آرائه أو مصالحه، أدرك جيدًا أن لكل منا حساباته لكن أدرك أيضا أن ما كتبه سيظل بوصلة لمن يريد أن يفهم الكثير، بعيدًا عمن ضاقت بهم الدنيا ليصبح الناس لديهم نوعان ثوري أو متواطئ مع النظام.
الجريدة الرسمية