رئيس التحرير
عصام كامل

الخزان النوبي وخبراء المقاهي


عندما كنت طالبا في كلية الهندسة كنا نحن الطلبة نتندر على أحد المدرسين، الذي كان متكبرا ولا يتساهل معنا بعكس أستاذ المادة الذي كان يعاملنا كأبنائه، وكان هذا المدرس صغير السن نسبيا، وحديث العهد بالدكتوراه، وكان يدرس لنا ضمن علوم البلديات التخلص من المخلفات، وبالذات التخلص من الزبالة، وعلى ذلك أطلقنا عليه الزبال المهندس، على وزن الدكتور المهندس، اللقب الذي كنا نحبه كثيرًا وكل منا يتمنى أن يحمله.


تذكرت هذا عندما قرأت أن مسئولا في الدولة يقول إن الخزان النوبي يحتوي على كمية مياه تكفي مائة عام، ولم يُبين على أي أساس علمي أو هندسي صرح بهذا.. طبعا هذا كلام خبراء مقاهٍ.. إن مثل هذه التصريحات غير المسئولة تضعف موقف مصر في مشكلة سد النهضة التي تهز أمن مصر المائي والقومي، وكلنا يعلم أنه لا نهضة ولا تنمية ولا طاقة ولا غذاء ولا حتى تعليم أو إعلام بدون المياه.

وطبقا للمعلومات الهندسية المتاحة، والتي افترض أن يكون هذا المسئول على علم بها وأكثر منها، فإن الخزان الجوفي النوبي هو خزان مياه غير متجدد أي fossil water يغطي أجزاء من أربعة دول بمساحة كلية ٢ مليون كيلومتر مربع، أي ضعف مساحة مصر، بمعنى أنه يشمل مساحة مصر تقريبا ونصف مساحة ليبيا وجزءا كبيرا من السودان وتشاد، وهذا يوضح أن الخزان ليس مصريا ولا نملكه بمفردنا، بل تشترك معنا ثلاث دول منها ليبيا وتشاد في أشد الحاجة إلى المياه.

وتبين بعض التقديرات أن الخزان يحتوي على ١٥٠ ألف كيلومتر مكعب من المياه غير المتجددة، وهذا يعادل 150 مليار متر مكعب مياه، وهذا يساوي مرة ونصف خزان السد العالي، يعني إن كان الخزان ملكنا تماما واستطعنا أن نسحبه بالكامل فلن يكفينا أكثر من سنتين ونصف السنة، فمن أين أتى هذا المسئول بكفايته مائة عام، كما أن مياه هذا الخزان تقع بين 240ppm-1300ppm في نسبة الشوائب وطبقا للمعلومات العلمية والصحية فيجب ألا تزيد نسبة الشوائب في المياه الصالحة للشرب والزراعة على 250-500 وهذه النسب تتغير بعض الشيء طبقا لعوامل أخرى.

ولنا أن نذكر مشروع النهر العظيم في ليبيا، والذي يسحب حوالى 2.50 مليار سنويا من هذا الخزان، وليس لدي معلومات حديثة عن هذا المشروع، وكذلك لا نعرف ما إذا كان هناك مشاريع تمس هذا الخزان في دولة تشاد، وعلى هذا المسئول أن يطّلع على كافة المعلومات قبل أن يصرح بكلام كخبراء المقاهي.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الجريدة الرسمية