رئيس التحرير
عصام كامل

«مدارس الزمن الجميل» «هيبة..عصاية.. ووقار».. مفتش لكل مادة في عهد«كرومر».. قص الشعر وارتداء ملابس مناسبة معلم الستينات.. رهبة الخرزانة موروث تاريخي.. واللحوم والجبن الروم

فيتو
18 حجم الخط

مدارس زمان، ذات طابع خاص ومذاق يميزها عن كافة العصور، والتي أصبحت في محل ذكريات الجميع يتمنى عودة أيام شهدت من نظام التعليم والتزام الطلاب والمعلمين بواجباتهم، ما لا تراه الأعين في هذا الزمان، لما نشهده من تراجع واضح في أداء المعلمين علاوةً على تدني أخلاقيات الطلاب.



مدارس الستينات



كان المعلم، ذو هيبة بين طلابه ووسيلة إيضاح لمحتوى الكتب الدراسية، حيث لا يستطع الطالب الاستغناء عنه، كما كان يهتم بالظهور أمام الطلاب في مظهر يليق بمهنة التعليم، فيقوم بقص شعر الرأس وارتداء الزي المناسب والابتعاد عن ارتداء الملابس المقلدة لموضة العصر، فضلًا عن التزامه بأداب السلوك سواء مع أقرانه من المعلمين أو الطلاب أنفسهم، حتى يرسخ مبدأ التعامل بالأخلاق الحميدة في نفوس الطلاب، كما كان يتم التنافس بين المعلمين لاستقطاب الطلاب لحب المناهج التي يدرسونها، علاوةً على أن طريقتهم في التواصل مع الطلاب تركت أثار لذكرى جميلة يتذكرها الطلاب في كل الأوقات مما يجعلهم يحنون لتلك الأيام.



أما عن نوعية من يقومون بالتدريس في مدارس الستينات وأواسط السبعينات، فكان معظمهم لا تقل خبرته‏ «مدرسًا» قبل أن تطأ قدمه باب المدرسة عن عقد من الزمان‏(‏ عشر سنوات‏)‏ أو يزيد وإذا حدث أن تكررت الشكاوى من عدم استطاعة هذا المدرس إتقان وإجادة توصيل مادته‏(‏ خاصة لطلاب الثانوية العامة‏)‏، يتم نقله.

وبالنسبة للتلاميذ ومدى رغبتهم في الذهاب إلى المدارسة لتلقي العلوم، فكانوا يذهبون إلى مدارسهم في غاية الفرحة، غير مكدرين، حريصين على ارتداء الزي المدرسي، علاوةً على أن التلاميذ كانوا حريصين على الحضور المدرسي والتفاعل بشكل إيجابي بين بعضهم البعض وبين المعلمين، حيث كانت العلاقة بين المعلم والطالب كالأب والابن. 

وكان طلاب الستينات مزيجا من مستويات اجتماعية متباينة، إلا أن أغلبهم كانوا من أبناء الكادحين إلا أنه كان يوحد بين هذه المستويات المتباينة اجتماعيا في ملبسها الموحد وكان «الزي الرمادي»، الذي يصرف مجانا لجميع الطلاب وكان ناظر المدرسة يشرف بنفسه في‏« طابور» الصباح على تحقيق ذلك الأمر.‏ 


جيل العظماء


وأنشأت لنا المدارس جيلا من العظماء مازالت سيرتهم تتناوب بين ألسنة الأجيال المتعاقبة، حيث تخرج «على باشا مبارك، وأمير الشعراء أحمد رامي، زعيم الحركة الوطنية مصطفى كامل، الجراح العالمى على إبراهيم باشا، محمد لطفي جمعة، أحمد لطفى السيد، رئيس الوزراء على ماهر باشا، ومن الفنانين تخرج محمود المليجي، نور الشريف، حسن حسنى، والفنان عزت العلايلي». 


نظام ونظافة


ومن ناحية أخرى، في الستينات نجد أن المدارس الحكومية كان لها «أتوبيسات» خاصة لتوصيل الطلبة، وكانت تقدم وجبة غداء كاملة بها ساندوتشات «الجبن الرومي »، و«اللحوم» للتلاميذ، هذا بخلاف روح الالتزام والاحترام التي كانت تسود المدارس، من طابور الصباح وتحية العلم والإذاعة المدرسية. 

وكان الصعود إلى الفصول في نظام تام، وكان هناك تفتيش دائم على النظافة، حيث كان هناك يوم يسمى بيوم النظافة المدرسية، وكانت الزراعة والرسم والموسيقى والرياضة أنشطة أساسية، لدرجة أن المدرسة الثانوية التوفيقية التي كنت فيها كانت تضم ملعبين تنس وملعب سلة كبيرًا، وحمام سباحة وملعب كرة قدم، حتى الاقتصاد المنزلى كان يدرس للأولاد والبنات، تلك الأنشطة تنمى روح الانتماء والالتزام في نفوس الطلبة. 


الضرب في المدارس


أما عن الضرب في المدارس، فنجد أن عصا المدرس أو «الخرزانة»، في الخمسينات، كانت بمثابة بيان واضح أن من سيخطئ سيجد عقابه فورا على الهواء، وكان لها رهبة حين يسير بها المدرس وسط صفوف التلاميذ، خاصة في طابور الصباح، لوضع الانضباط فيه، وكان استخدام مدرسي زمان لها غير مبالغ فيه، ولم يتم إيذاء أي تلميذ بدنيا من عمليات الضرب. 


مواد دراسية


الأخلاق مادة كانت تدرس في التعليم المصرى في الثلاثينات من القرن الماضى، الأمر الذي يشير إلى مدى الحرص على التربية والتنشئة الأخلاقية السليمة للطلاب قبل التنشئة التعليمية، وكان الاقتصاد المنزلي يدرس للأولاد والبنات، فضلًا عن جعل كتاب منفصل لتحسين الخط والكتابة، كما كانت الأدوات المدرسية تتسم بالبساطة. 


حرية التعليم


وكان التعليم تمتع بحرية أكبر في توجيه السياسة التعليمية، لخدمة أهداف البلاد رغم معاناة مصر من الاحتلال، وانتهت فترة الاحتلال بعد أن تركت نوعين من مدارس الرحلة الأولى «المدارس الأولية»، أما المدارس الابتدائية فقد صدر بشأنها القانون رقم 40 لسنة 1923م وذلك بإعادة امتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية الذي كان قد ألغى من قبل، كما زيدت في البدلية الدراسة في المدارس الابتدائية إلى 5 سنوات ثم عدلت مرة ثانية إلى 4 سنوات سنة 1927م. 



وكانت المادة 19 من دستور سنة 1923م، تنص على أن «التعليم الأولى إلزامى على المصريين من بنبن وبنات، وبدأت الوزارة في تنفيذ مشروع بإنشاء 127 مدرسة أولية، وكان التعليم فيها بالمجان، وعرف بـ«مدارس المشروع» نسبة إلى مشروع سنة 1925م، وقدر هذا المشروع ب3 ملايين جنيه. 

وتخرج من هذا الجيل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث تم السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، ثم أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية. 


نظام التعليم 1883


ولم تختلف نظم التعليم وتقسيماتها الإدارية منذ الاحتلال البريطاني لمصر وتحديدًا منذ عهد اللورد كرومر عام 1883، فكان بها مدرس أول ووكيل مدرسة وناظر، إضافةً إلى أنه كان هناك مفتشون لكل مادة ومستشار، والذي يبحث عن الأخطاء ويعاقب المقصر وكانت الترقيات بالأقدمية المطلقة.
الجريدة الرسمية