رئيس التحرير
عصام كامل

المريخ والبطيخ


عندما كنت طالبا بكلية الهندسة كنت أذهب إلى زميل لى يقطن بالجيزة وكانت شقته تطل على القهوة التي يرتادها محمود السعدني وبيرم التونسي وغيرهما ويجاورها بائعة بطيخ يعمل عندها شاب دائم العراك مع الزبائن لأن البطيخة "طلعت قرعة" ويشتد العراك والشاب في يده سكين ويأتى الشرطى وتتكرر الحكاية.. ولم أستطع في أي وقت أن أعرف ماذا حدث أو لماذا كانت البطيخة قرعة أو كيف اختارها حمراء وزى العسل كما يقول البائع..


وحاولت استخدام النظريات الهندسية والعلمية التى كنت أتعلمها لكي أبتكر طريقة أستطيع بها أن أختار بطيخة حمراء وزى العسل ولكننى لم أفلح.. وبدأت ألاحظ الزبائن.. أحدهم يطبل على البطيخة قبل اختيارها وآخر يساومه البائع على السكين وثالث يرضى بما أتاه من نصف حمار وحلاوة والبائع يصرخ لاجتذاب المشترين وهلم جرا.. وأخيرا اهتديت إلى أن الأمر عشوائى يعتمد على الصوت العالى وما يسمى الفهلوة.. حاولت أن أعرف ما هي الفهلوة وبعد جهد وجدت أنها الخداع والنصب والكذب والصوت العالى إضافة إلى قليل من المعرفة والتهويش وبذلك تاكل الجو.. وهذا ما يدور في بلدنا التي لم تعد محروسة..

وعندما ذهبت إلى الولايات المتحدة للدراسة وسمعت الرئيس كينيدى يخاطب شعبه بأن مؤسسة ناسا للفضاء سترسل رائد فضاء إلى القمر سنة ٦٩ قلت في نفسي قرع أمريكى وحدث ولم يكن قرعا مصريا وكان هذا حدثا عالميا وإنجازا تكنولوجيا تاريخيا أدى إلى هذه الطفرة العلمية والتكنولوجية الهائلة وسمعت رئيس أمريكا يتحدث هاتفيا من على القمر وكان هذا بداية الهاتف المحمول.. نجح الأمريكان بالعمل الدؤوب والإصرار والعلم والمال في تحقيق الهدف المنشود واسترداد كرامتهم المهدرة بعد أن سبقهم الروس في الفضاء..

وأهم ما في الأمر هي الإرادة السياسية والعمل الصالح أما المشاكل فيمكن دائما حلها وما أكثرها.. لا عشوائية ولا فهلوة ولا انتظار الوزير ولا روتين قاتل ولا كذب ولا رقبتى سدادة.. والآن قررت ناسا أن ترسل رائد فضاء إلى المريخ..

والمريخ هو الكوكب التالى للأرض بعدا عن الشمس يعنى رقم ٤ من الشمس ويبعد عن الأرض نحو ٢٢٥ مليون كيلو متر نحو ألف ضعف المسافة بين الأرض وقمرها ويطلق عليه الكوكب الأحمر وقطره نحو نصف قطر الأرض ويقول العلماء إنه شبيه الأرض وكل هذا جميل لكن المشكلة في زمن السفر إليه.. السفر في أحسن الحالات يلزمه تسعة أشهر يعنى أن يظل رائد الفضاء في كبسولة الفضاء تسعة أشهر كاملة ثم يلزمه نحو ثلاثة أشهر على سطح المريخ حتى يكون الكوكب الأحمر والأرض في وضع معين لزوم العودة.. تخيل تسعة أشهر داخل الكبسولة مع انعدام الجاذبية مع الصرامة الكاملة في حياة محدودة المساحة وكل حركة بحساب شديد.. وقتها تحمد ربك على قطار الصعيد..

وتأخذ ناسا الأمر بجدية كاملة في هذا المشروع الذي يتكلف مائة مليار دولار وحياة الإنسان أهم ما في المشروع.. وتقوم الآن بعمل دراسات على رائد فضاء داخل كبسولة منذ ستة أشهر ودار حول الأرض في الفضاء ٢٧٠٠ دورة وعليه أن يكمل ٢٧٠٠ دورة أخرى يعنى ستة أشهر إضافية وفى نفس الوقت تقوم ناسا بعمل دراسات على شقيقه التوأم على الأرض لزوم المقارنة بين حياة الأخوين.. المهم هو المسئولية والجدية والتفاني والعمل الجماعى والصالح العام والدراسة العلمية والعملية والمحافظة على الإنسان.. هل لنا أن نتعلم ونحسن العمل.. إلا لنا أن نتبع قول خير الأنام صلى الله عليه وسلم من أن المولى عز وجل يحب أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه.. لن نكون خير أجناد الأرض إلا بحمل الأمانة.. والله غالب على أمره..!
الجريدة الرسمية