رئيس التحرير
عصام كامل

انتحار هاني شاكر بسكتة موسيقية!


منذ أن تعلمت الكلام، وأصبحت أميز الأشياء، وحاولت أن أستكشف ما حولي من كائنات وظواهر طبيعية وغير طبيعية، كان السؤال الدائم الذي أوجهه لوالدي عندما أجده يستمع إلى صوت عذب يخرج من سماعات الكاسيت، من الذي يغني؟، ولماذا كل هذا الاهتمام والإنصات إليه؟، وكانت دائما إجابته واحدة وهي "دا أمير الغناء العربي هاني شاكر، دا الفنان إللي فاضل لينا من زمن الفن الحقيقي".. لم أعِ لهذا الكلام ولم أفهمه بشكل صحيح، ولكن كل ما كونته داخلي عن هاني شاكر، أنه شخص نادر الوجود، رجل ذو أهمية ليست بالقليلة، حتى أنه أصبح من مقدسات حياتي، أستمع إليه بشكل دائم وأهاجم كل من ينتقده أو يتلفظ عليه بلفظ سيئ، دون أن أدري السبب في كل هذا الحب لشخص أجهل حتى ملامحه.


وعندما كبرت تأكدت أن حبي له ليس لمجرد أن فنان صاحب صوت جميل، بل إنه رجل يحمل داخله جزءا من التاريخ، ونصيبا من ثقافتنا وإبداعنا الموسيقي، فلا أحد يستطيع أن ينكر أنه قيمة وقامة فنية كبيرة، برصيده الغنائي الذي تجاوز الـ600 أغنية، قدم فيها ألوانا عديدة من الموسيقى.

لذلك عندما شعرت بأن هذه القيمة، سيمسها الضر، هلعت فزعا وخوفا عليه، وشعرت بأن الشخص الذي أحببته كل هذا الحب، ورأيت حوله كل هذا البريق اللامع من النجومية، من الممكن أن ينتهي لمجرد أنه اختار أن يصبح من ذوي الألقاب الرسمية، وهو "نقيب الموسيقيين".

فعندما فاز هاني شاكر بمنصب النقيب، فرح كل محبيه إلا "أنا"، وهلل كل مريديه إلا "أنا"؛ لأنني أعلم المصير السيئ الذي ينتظره داخل إحدى شقق عمارة "اللواء" بوسط القاهرة وهو مقر نقابة الموسيقيين، فكيف سيتعامل هاني شاكر مع أشخاص يدعون الفن وهم أبعد الناس عنه؟!.. وكيف يسمح لنفسه بأن يضع توقيعه على تصريح لراقصة مثل برديس أو غيرها؟! بحكم أنه نقيب الموسيقيين، وهل سيسمح لهن من الأساس بممارسة الجرائم التي يفعلونها في حق الفن؟!.. هل سيشارك هاني شاكر في إفساد الذوق العام بهذه التصاريح بعد أن كان مثالا للذوق؟.. أم سيصطدم بهذه الملفات ويعلن الحرب عليهن مع العلم أنه سيكون الخاسر نظرا لشراسة هذا الفصيل؟!

أسئلة عديدة تدور في ذهني، وبالرغم من يقيني الشديد في حكمة هاني شاكر، إلا أنني أعلم أنه لن يستطيع أن يدير نقابة امتلأت بفاقدي الأهلية وسكنتها الشياطين منذ فترة، فلم تعد نقابة الموسيقيين كسالف عهدها مثلما كانت أيام كوكب الشرق أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهما من العظماء، فالنقابة الآن تضم "فرقة 8%" و"الدخلاوية" وأصحاب المهرجانات الشعبية الذين لوثوا الفن بذوقهم المتدني، لذلك فهي تحتاج لإنسان نسى أخلاقه بمنزله قبل أن يذهب إلى مكتبه، ويتعامل مع من يترددون عليه.

لا أنكر أن نقابة الموسيقيين تضم نجوما شرفاء ومخلصين يحبون الفن، إلا أنهم بعيدون كل البعد عنها، حتى أنهم لم يشاركوا في انتخاباتها وتركوا الأمر برمته إلى الآخرين الذين أرادوا أن يوقعوا هاني شاكر في الخطيئة بانتخابه نقيبا لهم، فعلى الرغم من أنه واجهة مشرفة لهم إلا أنه لا يصلح أن يمثلهم؛ نظرا لطيبته ودماثة أخلاقه التي أصبحت في زماننا هذا سبة في الجبين، لذلك فهاني شاكر بالنسبة لي "انتحر" بعد أن أصبح نقيبا لهم.. وسأكتفي بأن أعيش على أطلال فنه الذي قدمه في وقت سالف، متمنيا أن يقف بي الزمن عند هذا الحد حتى لا أستمع لمن يسيئون إليه ويهينون اسمه لمجرد خلافهم معهم؛ بسبب سياسته الإدارية داخل النقابة، فهذا أمر لا بد أن يحدث لأنه "ما نزل بشر على الأرض واتفق عليه الخلق، حتى إن كان أشرف الخلق".
الجريدة الرسمية