رئيس التحرير
عصام كامل

صحافة «الدليفري»


درست في كلية إعلام القاهرة أن الخبر هو أن "يعض إنسان كلبًا" وليس العكس، غير أننى عشت لأرى في صحافة هذه الأيام أن الخبر أصبح أيضا أن "يعض كلب إنسانًا"، فما كنا نعتبر أن أنسب مكان له هو لوحة إعلانات أو نشرة حائط الجهات الحكومية، أصبح - نتيجة كثرة مواقع الصحافة الإلكترونية وندرة الأخبار - مباحا نشره باعتباره خبرًا.


لا عجب في ذلك طالما أن الشعار السائد الذي يلخص حال المهنة الآن هو "ليه تروح لغاية الخبر، طالما بإمكانك أن يأتى إليك الخبر لغاية عندك".

لم يعد المحررون يذهبون إلى موقع الحدث، بل أصبحت الجهات التي يتولون مسئولية تغطية أخبارها، ترسل لهم خبر الحدث مصاغا جاهزا للنشر، بل وأحيانا يذهب المحرر لا ليغطى جولة المسئول أو تصريحاته، وإنما لحضور حفل الاستقبال المرافق والحصول على "سى دى" للجولة بالصوت والصورة والكتابة.

أصبح كثير من الزملاء للأسف مجرد ديليفرى أو "بوسطجية" لا ينتجون الحدث، بل ناقلون له فقط، لم يعد صحفيو أقسام الخارجى على سبيل المثال يتكبدون مشقة الإمساك بالقاموس لترجمة نص أو تقرير أو تحقيق وإعادة صياغته ونشره في قالب وروح وعناوين مختلفة، وإنما أصبحوا يلقون بالنص على مواقع الترجمة دون مشقة أو عناء، ثم يرمونه لقسم إعادة الصياغة ليقوم باللازم قبل النشر.

نعم سهلت التقنيات الحديثة عمل الصحفيين، فيكفى أن يدخل الزميل على إيميله أو على الموقع الإلكترونى للوزارة أو الجهة التي يغطيها عبر موبايله وهو جالس في بيته، ويعيد إرسال الخبر أو المادة التي وصلته إلى صحيفته دون أن يكلف نفسه عناء قراءتها أو صياغتها أو مراجعتها، والنتيجة أننا أصبحنا نرى العجب، أخبار ليس فيها أي مقومات الخبر، لا الذى أرسله، ولا الذي مرره، ولا الذي يقرأه فهم شيئا من المكتوب، وهكذا لم تعد الصحافة هي الأخبار التي ينتجها الصحفى بأمانة وضمير مهنى، وإنما أصبحت الصحافة هي خلطة مجمعة لما تنتجه الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية من نشرات وبيانات وتقارير لتجمل بها وجهها، وتحول الصحفى إلى مندوب لجهته في جريدته، وليس مندوبا لصحيفته في جهته، وأصبح الولاء معكوسًا.

والنتيجة أصبح محررو الأقسام الميدانية في كل المواقع والصحف هم العمود الفقرى للمهنة، هم الذين يمارسون الصحافة الحقيقية وما دونهم من المحررين مجرد موظفين لا صحفيين.

أقول ذلك وكلى أسى وألم من حال كثير من شباب المهنة هذه الأيام، كثير منهم متجمدون في مكانهم لا يتعلمون ولا يحاولون ولا يقرأون لأن معظمهم ليس لديهم وقت للقراءة، ولا حتى وقت لمقارنة ما كتبوه بما نشر ليتعلموا ويتطوروا، المواهب والغيرة على المهنة انعدمت، وتنامت ظاهرة استمراء الجمود وعدم التطور بمنطق "ليه تتعب نفسك، لما ممكن غيرك يتعب لك".

بالمناسبة مصطلح صحافة "الديلفرى" ليس وليد الحاضر فقط، أذكر أننى في أواخر الثمانينيات كنت أعمل محررا في مكتب صحيفة "الوطن" الكويتية، ذهبت إلى محكمة جنوب القاهرة في باب الخلق لتغطية وقائع الحكم في إحدى القضايا الكبرى، ورغم أننى أمضيت يوما كاملا وقوفا في انتظار الحكم، إلا أننى فوجئت عندما وصلت المكتب في شارع مراد بالجيزة مستقلا أوتوبيس نقل عام واستعديت لكتابة الخبر، بأنه قد وصل إلى المكتب بعد دقائق من صدوره عبر الهاتف من زميل لم يكن موجودا في المحكمة، بل يعمل في وكالة أنباء واعتاد أن يرسل أخبار نشرتها بطريقة طفيلية إلى الصحف العربية.

لست متفائلا بمستقبل مهنتنا وخاصة الصحافة الورقية التي تشهد أرقام توزيعها تراجعًا جماعيًا، والمؤكد أن بريق ورونق الصحافة باعتبارها مصدر المعرفة الرئيسى والوحيد قد خفت وإنطفأ، وأن الرهان عليها أصبح خاسرا، لأن الفضائيات سحبت البساط من تحت أقدامها.

قبل خمس سنوات قال لى أحد أساتذتى في مهنة الصحافة جملة تجسد كثيرا من واقع الإعلام في مصر "بقى لى 30 سنة شغال في الصحافة وماحدش يعرفنى، وأول ما عملت برنامج في فضائية متشافة بقيت نجم والناس عرفتنى وتشاور عليا وتنادينى بالاسم".
الجريدة الرسمية