رئيس التحرير
عصام كامل

توفيق الحكيم يحاور الله.. افتراضيًا!


خاض الكاتب الكبير توفيق الحكيم أحد أشهر الأدباء والمفكرين في تاريخ الأدب الحديث، معارك فكرية كثيرة على مدى تاريخه الطويل، ولعل آخر معاركه وأخطرها كانت حول الدين، حيث نشر الحكيم على مدى أربعة أسابيع ابتداء من 1 مارس 1983 سلسلة من المقالات بجريدة الأهرام بعنوان «حديث مع الله»،


أثارت المقال الأول ضجة كبيرة وعرضه للانتقادات والهجوم الشديد من رجال الدين وعلى رأسهم جميعا الشيخ محمد متولى الشعراوى ما دفع الحكيم إلى تغيير عنوان المقالة الثانية ليصبح «حديث إلى الله» ثم «حديث مع نفسى»، وفى نفس العام 1983 ضم الأربعة مقالات في كتاب أسماه «الأحاديث الأربعة والقضايا الدينية التي أثارتها» وكتب في مقدمته (قد رأيت عند إعادة الطبع في هذا الكتاب استبعاد كل الكلمات والأسطر التي كتبت تخيلا منسوبا إلى الله، مراعاة للحساسية الدينية التي لا أريد إطلاقا أن تسبب إزعاجا لأى مؤمن، كما حرصت على تخريج الأحاديث الشريفة والأفكار التي وردت في الأحاديث الأربعة والتي قال عنها بعض العلماء إنها أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو غير موجودة).

وقد جاء في مقالات الحكيم أنه طلب السماح من الله «سبحانه وتعالى» أن يقيم حوارا معه، وهو ما اعتبره كبار الشيوخ والمفكرين تجاوزا وخروجا على تعاليم الدين الإسلامى وتعديا على الذات الإلهية.
الحكيم يحاور الله
ومما قاله الحكيم في مقالاته: « ومن أكون أنا حتى تحدثنى أنت بالوحى؟ لن يقوم إذن بيننا حوار إلا إذا سمحت لى أنت بفضلك وكرمك أن أقيم أنا الحوار بيننا تخيلا وتأليفا، وأنت السميع ولست أنت المجيب، بل أنا في هذا الحوار المجيب عنك افتراضًا، وإن كان مجرد حديثى معك سيغضب بعض المتزمتين لاجترائى في زعمهم على مقام الله سبحانه وتعالى، وخصوصا أن حديثى معك سيكون بغير كلفة، لا أصطنع فيه الأسلوب الرفيع اللائق بارتفاعك، ولا بالوصف العظيم المناسب لعظمتك، فأنا سأخاطبك مخاطبة الحبيب لحبيبه.. الحب الذي ليس كمثله شيء «

وفى إطار هذا الحديث المزعوم مع الله يقول: «وهل هناك حساب على النية؟.. طبعا.. ولكنك غفور.. ولماذا الحساب إذن؟.. لأنه القانون.. أساس ونظام.. وأنت خالق الكون.. أي فوق القانون.. لا.. بل أنت خالق القانون الذي يتم به تركيب الكون.. فأنت لست فوق القانون (يقصد الله تعالى).. ولكنك الحريص عليه.. لأنه من خلقك.. ووليد حكمتك.. فعلا.. حرصك يا ربى على قانونك هو إرادتك العليا»، ويقول الحكيم أيضا: وفجأة حدث العجب.. حدث ما كاد يجعلنى يغشى عليّ دهشة، فقد سمعت ردًّا من الله أو خيل إلى ذلك: وهل إذا درست الحساب بنجاح والتحقت بمدارس العلوم كنت ستراني؟ هذا ما سمعته، وهذا يكفى ليجعلنى أعتقد أن الله قد سمح أخيرا أن يدخل معى في حديث «، وعن نسبية الأديان قال: «إن الأديان نسبية تختص بها أرض دون أرض، لأن البشرية نفسها نسبية، وكأنك يا ربى تلمح إلى ما سوف يكتشفه العلماء بعد قرون في شخص أينشتاين».

ونقرأ ما كتب الحكيم فنرى أنه قد جعله حوارًا بين المخلوق والخالق بالطريقة التمثيلية المعروفة ومنه على سبيل المثال: (الله: وبعد.. يا هذا ؟ أطلبت الحديث معى لتكلمنى فيما أنا أعلم به منك؟ المخلوق: أو كان من الممكن أن أحادثك فيما لا علم لك به؟ وأنت يا ربى العظيم العليم بكل شيء، الله: هل عندك شيء آخر تقوله لي؟ المخلوق: سئمتَ حديثى يا ربى ؟ الله: أنا لا أعرف السأم.. وأنا السميع دائم السمع للغط مخلوقاتى الكثيرة من أبعد المجرات إلى أصغر الحشرات، الحشرات؟، الله: تكلم، المخلوق: إذا سمحت فلنواصل بمشيئتك الحديث الثلاثاء القادم)

وفتحت هذه المقالات النار على توفيق الحكيم فانهال عليه الكتاب الإسلاميون والدعاة بالمقالات التي تتهمه بالضلال والكفر، فكتب عنه عمر التلمسانى مقالة بجريدة «النور» بعنوان «هكذا تختم حياتك أيها الحكيم» ينتقد فيه رأى الحكيم في أن العلماء سيدخلهم الله الجنة دون حساب، كما كتب الدكتور محمد أحمد المسير مقالة نشرت في جريدة «اللواء الإسلامى» بعنوان «أدب الحديث عن الله» يتهم فيها الحكيم بالافتراء على الله.

أما أشد المهاجمين له في هذه المعركة فقد كان الشيخ محمد متولى الشعراوى الذي أقيمت له ندوة في مجلة «اللواء الإسلامى» حول مقالات الحكيم، وتساءل الشعراوى قائلا: «الأستاذ توفيق الحكيم لم يقل لنا كيف كلمه الله هكذا مواجهة أم أرسل إليه ملكا أم ماذا حدث؟»، وواصل الشعراوى هجومه قائلا: «لقد أباح الحكيم لنفسه ما لم يكن مباحا لمحمد صلى الله عليه وسلم»، وقد انتقد الشعراوى رأى الحكيم في نسبية الأديان قائلا: «لقد قال الحكيم إن الملحدين من العلماء أمثال أينشتاين سيدخلون الجنة رغم أنهم لم ينطقوا شهادة «أن لا إله إلا الله»، وأن هؤلاء أتوا بما لم يأت به الرسل، وهذا مساس بصفة العدل عند الله، فالأستاذ الحكيم يريد أن يدخل هؤلاء الجنة بلا إيمان أو حساب وكأنما غفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر بدعوى أنهم أضافوا إلى الإنسانية أشياء جليلة»، واشتدت المعركة وتدخل للدفاع عن الحكيم كل من الكاتب يوسف إدريس والدكتور زكى نجيب محمود، وطالبهما الشعراوى بعقد ندوة للمناظرة علنيا ولكن تلك الندوة لم تعقد لأنه لم يحضرها أي من الثلاثة، وتراجع بعدها الحكيم عن عنوان المقال أحد أسباب الضجة ليصبح «حديث إلى الله» وغير الكثير من أسلوب الحوار في الكتاب الذي نشره وضم المقالات في كتاب.

c.v
● توفيق الحكيم كاتب وأديب مصرى ولد في الإسكندرية عام 1898 ومن رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربى الحديث.
● كانت مسرحيته المشهورة أهل الكهف في عام 1933 حدثا مهما في الدراما العربية فقد كانت تلك المسرحية بداية لنشوء تيار مسرحى عرف بالمسرح الذهني.
● لم يكتب إلا عددًا قليلًا من المسرحيات التي يمكن تمثيلها على خشبة المسرح.
● سمى تياره المسرحى بالمسرح الذهنى لصعوبة تجسيدها في عمل مسرحى وكان توفيق الحكيم يدرك ذلك جيدا.
الجريدة الرسمية