رئيس التحرير
عصام كامل

سيادة الرئيس.. لا تتردد


“كان ابنى مساقًا ببزة حمراء وعلى عنقه كف ظالم، متجبر، قاتل مأجور، كافر بالإنسانية، وبالله، وبكل مقدس، مضى ولدي بخطوات ثابتة، وكأنه رأى مقعده عند مليك مقتدر، من خلفه كانوا أيضا أولادى.. سعوا في مناكبها جريا وراء رزق أو قدر محتوم، حملوا فئوسهم ليزرعوا الأرض حبا ونباتا، اغتربوا في مهمات بناء للبشرية، لم يعرفوا الهدم في أوطانهم، كانوا فريقا من المناضلين من أجل لقمة العيش”.


كيف لمقاتلين مع الله أن يخفوا ملامحهم، يتخفون وراء حجاب أسود بلون قلوبهم، كيف يقاتلون ومعهم ملائكة وهم يخفون جبنهم، في المقابل كان أولادى يواجهون الموت بالحياة الأبدية، يصلون حتى اللحظة الأخيرة، صرخ من بينهم مؤمن: “يا يسوع.. يا مخلص”، سرت في بدنى لحظة تاريخية مقدسة، ورددت داخل مملكة نفسى وأنا أكتم قهرا أطول من كل سكك الحياة "وهل كان ابنى أغلى من المسيح؟".

المقاتلون الأشاوس.. المتخفون وراء حجاب.. الهاربون من إنسانية آدم.. كانوا يمضون على شط بحر تلاطم أمواجه يوحى بعظمة خالق كل شيء من أجل الإنسان.. لم تشدهم أمواج هادرة، ولا لحظات سكون، يقفز فيها قلب الإنسان من بين جوانحه؛ ليعانق خلق الله ومعجزته.. من الماء خلق الله كل شيء حى، وهم على شط الماء صنعوا الموت هدية لرب لا نعرفه.. لشيطان يتعلم منهم كل يوم كيف يكون شريرا.

كان المجاهدون المصريون يمضون في ثبات.. يسيرون إلى لقاء رب كريم، أمرهم كبير الأبالسة بالركوع، ركعوا لرب العالمين، تمتموا بصلاة على دنيا زائلة، كان ابنى واحدا منهم، لا يحول بينى وبينه إلا تلك الشاشة التي عرضوا عليها خستهم، جريمتهم، مصيبتهم.

نحروهم ظنا أن سكاكين الغدر قد نالت منهم، لكنها ما نالت منهم، بل نالت من هؤلاء القتلة، فمن قتل نفسا بغير نفس.. فكأنما قتل الناس جميعا وهم قتلوا نفوسا مؤمنة، طاهرة، تجاهد من أجل إعمار الأرض، سعت في مناكبها، فكان نصيبها شهادة لا نزكيها على الله.

سيدى الرئيس: رداء الحزن الذي خيم على بلادنا لم نكن نحن صانعيه، ولون الدم الذي أهدر على شواطئ بلد نظنه امتدادًا لوطننا، لم نكن نحن مسيليه، ولحظات القهر التي أمطرت بيوتنا لم نكن نحن أبطالها، بل كنا ضحاياها، فلا تتردد فيما أقدمت عليه، ونحن من خلفك جنود نضحى بكل غال وثمين.. لا تشغل نفسك بما تردده عصابات خانت الله والرسول فلست أغلى من رسول كريم.. نذير مبين.

امض في طريقك فلم نكن يوما غزاة، ولم نكن يوما لقمة سائغة لعدو، أو لمعتد، أو لغاصب.. امض إلى ما مضى إليه سابقوك الذين وصلوا إلى أعالى أفريقيا، وآسيا، ليأمنوا غدر المحتل.. امض ولا تنشغل بغير أهلك وناسك، امض فيما بدأته؛ فالحياة دون كرامة موت وقهر وسراب.

من قلب المحنة تولد الانتصارات، ونحن بحاجة إلى انتصارات، هذا الشعب الذي شاهد كيف يُذبح أبناؤه، لم يكن يوما شعبا غاصبا ولكنه وعلى طول الدهر شعب مرابط.

سيدى الرئيس أدب كل من يتطاول علينا، يعتدى على أولادنا، يذبح شبابنا، يحاول النيل من عزيمتنا، أطلق نسورك وصقورك، فليس بعد الذبح صبر، وليس بعد الحصار صبر، وليس بعد الإهانة صبر، وليس بعد القهر صبر.

لا تنشغل بغير الطريق الذي يحمى أبناءك، لاتهتم إلا بما يقوله لك شعب اختارك وفوضك، دعك من ميوعة واشنطن وتلكؤ الغرب، فإن لديك شعبًا هزم جيشا غربيا بالأيدى، لديك شعب قادر على القتال بالفأس، وعلى الانتصار بالإرادة وعلى قهر أعتى الإمبراطوريات بالعزيمة.

سيدى الرئيس: إن القادة لا تشغلهم صغائر الأمور، ولا صغائر ما يدعون، ولا صغائر القوم.. سيدي الرئيس إننا في حرب تدار من عواصم عدة، فلا تنتظر مددا من عدو -أنت ونحن نعرفه-، لا تنتظر عونا من أحد فنحن قادرون -بعون الله- عليها، إن الفرصة تاريخية واللحظة فاصلة، والمتكالبون علينا من كل حدب وصوب، ولا وقت لعتاب، ولا فسحة لنقاش، فإما أن نكون أو لا نكون.
الجريدة الرسمية