رئيس التحرير
عصام كامل

أدب الإسلام


لكل واحد منا لحظات تتوثب فيها روحه، تكاد تغادره متخلصة من طينيته، أو تكاد تحمله معها إلى آفاق رحيبة، فلكل منا إسراؤه، ولكل منا معراجه، ولكن هناك من يلتمس هذا الإسراء ويسعى إليه، وهناك من يسعى إليه إسراؤه، وهناك من يقضي نحبه وقد انطمست بصيرته فلا ينال ارتقاءً، أما من أدرك الارتقاء فإنه إذا نظر إلى الدنيا وجدها لا تساوي قلامة ظفر، فيأخذه العجب من صراع أهلها واقتتالهم! أهي الدنيا التي سنغادرها حتما هي سبب الصراع؟ أم أنها النفس البشرية التي خلقها الله من عنصرين، النور والطين، فتغلبت طينيتها على نورانيتها.


فإذا أردت أن تشترك معي في لحظة نورانية فافتح معي المصحف على سورة "سبأ" واقرأها على مهل إلى أن تصل إلى قول الله - سبحانه وتعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ،، قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)...

الكلام هنا في تلك الآية الكريمة على لسان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد بدأ الله جل في علاه في مخاطبته بقوله (قل من يرزقكم من السموات والأرض، قل الله) أي قل يا محمد للكفار الذين يجادلونك إن الله هو الرزاق، ثم قل لهم (إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) يا لعظمة الإسلام، ويا لأدب الاختلاف حتى مع الكفار، لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم للكفار إنه هو على الهدى، وإنهم هم على الضلال المبين، رغم أنه كان كذلك، ولكنه قال "إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"..

فساوى في الخطاب بينه وهو صاحب الحق، وبينهم وهم أصحاب الباطل وأهله، وعندما استمر معهم في الجدال قال لهم كلمة تدل على قمة الأدب في خطاب المختلفين حتى ولو كانوا كفارًا، قال لهم (لا تُسألون عما أجرمنا).. يا للهول يكاد الفؤاد ينخلع من هذه الكلمة! انظر وتأمل، الله - سبحانه وتعالى - أمر الرسول وهو يخاطب الكفار بأن يقول لهم إنهم لا يُسألون عما أجرم المسلمون وهم لم يجرموا، ولكن اقتضى الحال ذلك لأن الكفار كانوا في عقيدتهم يظنون أن المسلمين ليسوا على شيء، وإذا كان من الطبيعي في السياق ذاته أن يقول الرسول مستطردا، ولا نُسأل عما تُجرمون.. ولكن كان الأمر على غير ذلك..

كان قول الله - سبحانه وتعالى - هو (لا نُسأل عما تعملون)، رغم أنهم يجرمون يقينًا، أيوجد أدب يماثل هذا الأدب! هذا الأدب مع الكفار! أدب المناظرة! فماذا لو كانت معركة الحق تدور بين إخوة؟
الجريدة الرسمية