رئيس التحرير
عصام كامل

هيا نستعيد مصر


لك أن تعود إلى بداية القرن العشرين، ولتنظر مليا لمصر وهي تبحث لنفسها عن استقلال، وتستحضر حضاراتها لتستخرج منها مشروعها الحضاري، فهذا هو الإمام محمد عبده، يقيم بمدرسة "العقل والدراية" التي تجتذب الشعب بكبار مثقفيه ومجتهديه، وها هو الشيخ علي عبد الرازق يخرج للدنيا كتاب الإسلام وأصول الحكم، ليكون أول عالم مصري يواجه أساطير نسجها أصحاب الإسلام المزيف عن وجوب وفرضية الخلافة، ومعه يكتب طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي" وكتابه "مستقبل الثقافة في مصر" وتبدأ في مصر حركة ثقافية لا مثيل لها.


فهذا توفيق الحكيم يضع مصر على خريطة المسرح العالمي، وتسبق مصر كثير من دول العالم في صناعة السينما، ويؤسس جورج أبيض ثم يوسف وهبي النهضة المسرحية المصرية التي لا تقل في روعتها عن المسرح الفرنسي، أو المسرح الإنجليزي، وتبدأ فنون الرواية والقصة القصيرة في أخذ مكانتها لتصبح فيما بعد "ديوان العرب"، وينهض الشعر العربي الذي يتقدمه شعراء مصر، فمن بعد شوقي وحافظ تظهر مدارس شعرية تجدد هذا الفن العربي، كمدرسة الديوان، ومدرسة أبولو، ويرتفع شأن النحت المصري، ليصبح المثال محمود مختار واحدا من أعلى النحاتين مكانة في العالم كله.

وتظهر من وسط الحركة الثقافية المصرية عبقريات علمية تناطح أكبر عبقريات عالمية، بل وتتفوق عليها، فمصطفى مشرفة يشار إليه كأكبر علماء العالم في الفيزياء،ويتفوق المصريون في الاقتصاد فيظهر عالم الاقتصاد الوطني طلعت حرب الذي يؤسس لمصر نهضة اقتصادية تجعلها تتفوق على اقتصاديات دول العالم الأول.

وفي وسط هذا الزخم يظهر رجال الصناعة الذين يجعلون من مصر أكبر دول العالم في صناعات النسيج والزجاج، وهي الآن آخذة طريقها لكي تصبح رقما مؤثرا في الحضارة الإنسانية، يقودها أبناء الطبقة المصرية الوسطى الذين شكلوا المزاج العام لها، في مقدمتهم مطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس ومكرم عبيد ومحمد حسين هيكل، وأحمد لطفي السيد، ويطرب وجدان الشعب العربي كله مجدد للموسيقى العربية اسمه سيد درويش، ثم يأتي من بعده ثلة من الموهوبين في الغناء يتقدمهم عبد الوهاب وأم كلثوم، وليلى مراد، والسنباطي والقصبجي والشيخ زكريا أحمد.

ثم فجأة يظهر في مصر مشروع آخر، لا ينظر للأمام أبدا، ولكنه ينظر ويعيش في كهوف الزمن فقط ولا علاقة له بدنيا الناس، يخرج هذا المشروع من جراب الإنجليز، حيث يدعمون الفتى حسن البنا، ويهبونه المال والتأييد، فتظل أمتنا من بعدها أسيرة لصراع لا ينتهي.
الجريدة الرسمية