رئيس التحرير
عصام كامل

لماذا صرنا قلوبًا غليظة؟!

18 حجم الخط

رمضان شهر فضله الله على سائر الشهور، ينتظره المسلمون من العام إلى العام، والأصل فيه الطاعات والزهد في الملذات والمباحات، فصيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعًا، وفيه يزداد رزق المؤمن، وتفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين، شرعه الله لحكمة عظيمة وهي تربية النفوس على المراقبة والتقوى، هكذا كان رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وهكذا كان في الزمن الجميل، لكن هل بقي على حاله، أم تحول من النقيض إلى النقيض، من التخفف والتقشف والاعتدال والزهد إلى الإسراف والتخمة والتبذير والنهم؟ نصوم نهارًا لنأكل ليلًا كل ما تصل إليه أيدينا مما لذ وطاب، ننام نهارًا لنسهر الليل أمام شاشات التلفاز والفضائيات، نجرح صيامنا بمشاهد العري والإسفاف وبرامج اللهو والنميمة التي تجافي روح الصيام وغايته.

وبدلًا من أن يقل استهلاكنا للغذاء والسلع نظرًا لانخفاض وجباتنا في رمضان إلى وجبتين فقط بدلًا من ثلاث وجبات حدث العكس تمامًا، حيث نطالع أرقامًا تدل على تناقض صارخ؛ فمعدلات الاستهلاك تفوق 80 % مما تشتريه طيلة العام، ومقدار الإنفاق العام يزيد على 30 مليار جنيه في هذا الشهر فقط بحسب إحصائيات أعوام ماضية، وربما زادت هذه الأيام بحكم الزيادة المطردة لعدد السكان.

هكذا تحولنا بهذا الشهر من سموه الروحي وجلال العبادة واستلهام روح الشرع ومقاصده وبدلًا من أن تزداد معدلات الادخار والوفرة الاقتصادية ازدادت معدلات الإسراف في الدول الإسلامية وخصوصًا مصر، وفرغنا الشهر الكريم من مضمونه، وبدلًا من أن نكون قلوبًا رهيفة ترق لحال الفقراء فنتصدق عليهم، ونقتصد في الطعام والشراب صرنا قلوبًا غليظة تبذر وتسرف، وبطونا تلتهم ما يقابلها حتى غدت أوعية شر وبيتًا للداء والعلة، وسببًا في الخمول والكسل، ولم يتوقف إسرافنا عند هذا الحد، بل زاد انشغالنا بالمسلسلات والبرامج، ولا أدري كيف يجد المصريون وقتًا لمتابعة هذا السيل الجارف منها وكيف يوفقون بينها أو يميزون بين غثها وسمينها؟!

الاستهلاك الزائد في الغذاء والسلع يدفع الدولة لضخ موارد إضافية لدعمها على حساب متطلبات أخرى قد تكون أكثر خطورة وأهمية مثل بناء مستشفيات أو مدارس، لكنها الحكمة الغائبة عند المسلمين والاندفاع لإشباع النهم الذي يجافي روح الصيام جملة وتفصيلًا.

والسؤال الآن: لماذا الإصرار على التدين الشكلي بينما السلوكيات تخاصم روح الدين، كيف نصوم عن المباح في نهار رمضان ثم نقع في حبائل المسلسلات والبرامج والأفلام التي يخاطب أغلبها الغرائز، ويحرض على الجمود والكسل والاستهلاك، كيف يصنف المصريون بأنهم أكثر شعوب الأرض تدينًا ثم تأتي أرقام استهلاكهم مجافية لروح الدين الداعي إلى الاعتدال حيث يقول تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"، ويقول أيضًا: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا"؟

كنا نرجو لرمضان أن يكون فرصة حقيقية لمراجعة أنفسنا والتخفف من أثقالنا وأوزارنا البدنية والروحية، فنقلل استهلاكنا من الطعام حتى تسترد الأبدان عافيتها، فالمعدة بيت الداء، وأن نسارع إلى التخفف الروحي بكثرة الطاعات ومباذل الخير، وأن ننفض ما تراكم على قلوبنا من صدأ العداوات والبغضاء والخصومات والمشاحنات، وأن يبادر بعضنا بعضًا بالسلام وصلة الأرحام وإصلاح ذات البين ورأب الصدع الاجتماعي الذي تسببت فيه حوادث السنوات الأخيرة.
الجريدة الرسمية