الناقدة د. أماني فؤاد لـ"فيتو": بعض الثوريين فقدوا الإيمان بإرادة الشعب
- معظم قصور الثقافة يرأسها موظفون لا مبدعون
- لا أؤمن بإلغاء وزارة الثقافة في مصر
- رواتب موظفي الثقافة تلتهم ثلثي ميزانية العملية التثقيفية
- الإخوان تحالفوا مع الشيطان لمناهضة سياسة الدولة المصرية عبر التاريخ
- تربية القطيع التي نشأ فيها أعضاء الجماعة أفقدتهم المبدع الحقيقي
- ثورات الربيع العربي رسخت قيم الحريم في نفوس مواطني المنطقة
- الحوار الثقافي هو الحل لمراجعة شباب الجماعة لأفكارهم
- ممارسات التيارات الدينية كشفت احتيالهم على البسطاء باسم الدين
- حكم الإخوان أبرز مراهقة سياسية لا تصلح لإدارة دولة
- الإصلاح يحتاج لدولة مدنية تعلي سيادة القانون
- التنمية الاقتصادية محور جوهري في استقرار البلاد
- الشخصية المصرية تشبعت من التواكل وعشوائية الأداء
- الدولة ترفع أسعار البنزين على المواطن دون أن ترفعها على أصحاب المصانع
- وزارة الثقافة بوضعها الحالي عبء على الواقع المصري
- القنوات الثقافية الموجودة على الساحة "محنطة الأداء"
- لا مكان للثقافة في خارطة السيسي بسبب الأزمات
- الثقافة غادرها مفهوم الكاتب الأوحد العملاق
- أحلم بقناة فضائية مصرية ثقافية حيوية
- لو أدرك كل رئيس أهمية الثقافة المنفتحة لتغير حال وطننا منذ عقود
هي قارئة متميزة للمشهد الأدبي، تمتلك من الأدوات ما يمكنها من تقديم رؤية خاصة يحترمها الجميع، ويتجلى ذلك في كتبها وأبحاثها ودراساتها المتعددة.. إنها الناقدة الدكتورة أماني فؤاد، التي كان لـ"فيتـو" معها هذا الحوار لمعرفة رؤيتها للساحة الأدبية والسياسية الحالية.
*رؤيتك لما تعيشه مصر الآن؟ وهل الوسط الثقافي بمصر في حاجة إلى تجديد دماء ؟
تعيش مصر حالة تحول كبرى تستمر في إبراز معطيات جديدة كل يوم أهمها: تكشّف زيف ادعاءات المتأسلمين والتيارات الدينية التي احتالت على البسطاء باسم الدين، في حين أسفرت الحقيقة والممارسة عن قدر لا متناه من الرغبة في الحكم والاستحواذ على البلد وتغيير هويتها الثقافية، أبرزت مراهقة سياسية وفكرية لا تصلح لإدارة دولة والنهضة بها، وهو ما نددنا به وحذرنا منه كثيرًا.. والآمال منعقدة بالتأكيد على دولة مدنية، تعلي سيادة القانون وتفعله، وطن تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، وتراعي فيه حقوق الإنسان وحرياته، عشنا آحلاما وآمالا كبيرة بعد ثورتين والإطاحة بعدد من السلطات والحكام، تلك هي الآمال التي تتلخص في حياة كريمة للمواطن، وهي مشروعة ومن حق كل مصري، لكنني أرى أن هناك صعوبات لتحقيق هذه الطموحات: أولها نحن بحاجة حقيقية وعاجلة لنظام أمن محكم يسيطر سواء على الإرهابيين والخارجين على القانون، الضبط الأمني لكل من يتكشف تورطه في العنف أو الإرهاب، بالتوازي مع إيجاد صيغة حقيقية لدمج التيارات المختلفة فكريا في المجتمع، وكل تصعيد إرهابي ينبغي أن يقابله تصعيد ثقافي من خلال فتح قنوات حوار متنوعة، تحترم الخلاف لكن يجمعها بالضرورة تقدير قيمة الوطن واحترامها، التصعيد الثقافي يصبو إلى المستقبل، هدفه ألا تتكرر تلك الممارسات والجرائم العنيفة تحت التعصب والقضاء على الآخر، هناك فئات من الشباب المصري تتعاطف مع حق الآخرين في التعبير عن قناعاتهم، قدروا أن ثمة عنفا من قبل السلطات في فض اعتصام رابعة، والملاحقات الأمنية في الفترة الأخيرة، فضلا عن قانون التظاهر الذي يتضمن مغالاة لا تتفق وحقوق الإنسان.
وهنا يقع على عاتق الإعلام، ووزارة الثقافة، ووزارة التربية والتعليم، والأوقاف، والشباب والرياضة، والتعليم العالي، التنسيق فيما بينهم لعقد الندوات والحوارات وسماعهم جيدا وتفنيد آرائهم والاستجابة للمعتدل منها، لا نريد أن نقع مرة أخرى في إقصاء أي فئة من الشعب المصري خاصة لو كان شبابه، أي مستقبل الوطن.
ولابد من إعلاء قيمة العمل الحقيقية لدى كل مواطن، والقضاء على ما استجد على الشخصية المصرية من التواكل وعشوائية الأداء، ومنظومة قيمية صاحبت سياسات الانفتاح التي اعتمدت على الربح السريع والنهب والرشوة والتحايل وغيرها، وإعادة هيكلة الدعم بما يتفق وتحقيق العدالة الاجتماعية، ورغم أنني لا أومن بالدعم السلعي، وأرى ضرورة تحرير سعر السلعة.
* لكن هل من الطبيعي أن ترتفع قيمة السولار والبنزين على المواطن العادي بما يوازي 27% من السعر دون أن يرفع الدعم تمامًا عن أسعار الطاقة الموجهة للمصانع التي تحقق الأرباح الطائلة لأصحابها ؟
أما فيما يتعلق بالوسط الثقافي في مصر وموضوع التجدد فيه، أظنك تعني المنظومة الإدارية في مؤسسات وزارة الثقافة وهيئاتها، وهي بالطبع تحتاج إلى تجديد وهذه هي طبيعة الحياة، تعلم أن معظم قصور الثقافة في كل المحافظات والمدن المصرية يرأسها موظفون لا مبدعون، الجميع يلمس حالتها المتردية، وشبه انعدام الفاعليات الثقافية فيها، هذا فضلا عن عجز وضآلة الميزانية المرصودة من الدولة للثقافة، ذلك مع أسباب أخرى ما يدفع لهذا التراجع في النشاطات الثقافية.
أما فيما يتعلق بالوسط الثقافي في مصر وموضوع التجدد فيه، أظنك تعني المنظومة الإدارية في مؤسسات وزارة الثقافة وهيئاتها، وهي بالطبع تحتاج إلى تجديد وهذه هي طبيعة الحياة، تعلم أن معظم قصور الثقافة في كل المحافظات والمدن المصرية يرأسها موظفون لا مبدعون، الجميع يلمس حالتها المتردية، وشبه انعدام الفاعليات الثقافية فيها، هذا فضلا عن عجز وضآلة الميزانية المرصودة من الدولة للثقافة، ذلك مع أسباب أخرى ما يدفع لهذا التراجع في النشاطات الثقافية.
* هل الإبداع الفني المصري في حاجة للتجديد؟
أستطيع أن أؤكد من خلال متابعاتي المشهد أن الإبداع وخاصة في الرواية والشعر والمجموعات القصصية يتجدد على الدوام، وتظهر مواهب وقامات إبداعية تمتلك ثقافتها ووعيها بواقعها والواقع الثقافي للعالم، هذا فضلا على أن مصر بالتسعين مليون نسمة قادرة على الدوام أن تجدد روح إبداعاتها.
* أي شيء تفضلين حصد الجوائز أم الطموح للعالمية وترجمة الأعمال بمختلف اللغات؟
العمل في مجال النقد نادرًا ما يحصد الجوائز، أو الترجمة لمختلف اللغات، لكنني بالطبع أفضل الاثنين لو أتيح ذلك، من يكره الجوائز والانتشار، أفضل أن تصل كلمتي ودراساتي لكل نص وخطاب إبداعي أقوم بتحليله إلى المتلقي أوالقارئ، وأن أسهم في إضافة إضاءة فنية وفكرية تغيَّر من أسلوب تلقيه للعالم، خلخلة ثوابته الفكرية ودفعه إلى إعمال عقله وتحفيزه للمشاركة في العملية الإبداعية، إضافة شيء إلى ثقافته في النهاية.
* علاقة الكاتب بمكتبته مهمة ومؤثرة.. حدثينا عن ذلك ؟
مكتبتي تحوّط وجودي، على مستوى بيتي وسيارتي حتى في أماكن قضاء إجازاتي القليلة، الكتب باتت تشغل كل حيز في البيت، بل تزحف على مواقعه كلها، لا أستطيع العيش دون كتب، أخيرًا علمت نفسي التعامل مع الكومبيوتر ومحاولة القراءة من خلال مواقعه، لكنني أعشق الكتب وملمسها ورائحتها، أقرأ وأنا أمسك قلمًا وأدون على الهوامش، علاقتي بالكتاب علاقة حميمة للغاية، ورغم تنوع فروع المعرفة بمكتبتي فإن كتب الأدب والفلسفة والنظريات النقدية تشكل الجزء الأكبر منها، تليها كتب التاريخ وعلم النفس والترجمات والكتب التراثية.. وحتى هذه اللحظة لم أستطع أن أبوب مكتبتي على الوجه الأمثل الذي أرتضيه، حتى أنني أحيانًا أظل أبحث عن أحد الكتب وكلي ثقة أنني اقتنيه ولا أجده، فأضطر لشرائه مرة أخرى، وأعود فأجده مصادفة.
* ما رؤيتك لتطوير وزارة الثقافة المصرية ؟
الثقافة ذاتها متمثلة في كل منتج إبداعي وفكري وفني لا تخلقها مؤسسة تتحكم في إدارتها، أو يتدخل في تسيير شئونها أي جهة أمنية، الثقافة هي مجموعة من المجهودات الإبداعية والفكرية التي ينتجها المبدعون منفردين ثم تتجمع في النهاية لتشكل مشهدا ثقافيا مكتملا، لكن أنا ممن لا يؤمنون بإلغاء وزارة الثقافة في مصر، مصر بلد من بلاد العالم الثالث رغم عراقتها التاريخية وتعدد وثراء هويتها، تعداد السكان فيها أكثر من تسعين مليون نسمة، أكثر من 40% لا يجيدون القراءة والكتابة ويعانون من الأمية، أكثر من 42% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، لدينا مد متوحش من سيطرة التيارات الدينية السلفية والجماعات الإرهابية على الخطاب الموجه إلى الشعب، وتأثير ذلك على المجتمع المصري بعد أن أُفرغت الساحة من وجود الأحزاب السياسية ومنابر حرية الرأي والعقيدة، مركزية الأنشطة الثقافية والفنية في العاصمة، لذلك يتطلب كل هذا أن يظل هناك الدور لوزارة للثقافة لتدير منظومة من الفكر المتحرر والمتنوع، وزارة تعي أن الالتحام بالجماهير البسيطة وإثراء وعيهم مهمة مقدسة، تعي قيمة المبدعين في شتى المجالات وتوفر لهم منابر مناسبة للاتصال بهذه الجماهير، وزارة تسهم ماديا في العروض المسرحية والأفلام السينمائية، وتشجيع المبدعين في المجالات كافة، لكن وزارة الثقافة بوضعها الحالي عبء على الواقع المصري لا مصدر من مصادر التثقيف والارتقاء بالشعب، الوزارة بهيكلتها الحالية مكبلة بهيئاتها المختلفة بأكثر من 65 ألف موظف تلتهم رواتبهم أكثر من ثلثي الميزانية الموجهة للعملية التثقيفية، الميزانية التي هي بالأساس ضئيلة للغاية.
وأتصور أن التخفف من كل هذا العدد من الموظفين وتوجيههم لمناح أخرى سيكون بداية جيدة من زاويتين، أولًا: التطور بالعقول التي تدير الثقافة المصرية، ثانيًا: ضخ قدر كبير من الميزانية في الفعاليات والأنشطة الثقافية، ونقل هذه الفعاليات إلى كل أطراف الرقعة الجغرافية المصرية، توفير بيئة ثقافية نشطة وإيجابية للمبدعين.
وأحلم أيضًا تحت التأثير المتنامي للإعلام المرئي بقناة فضائية مصرية ثقافية حيوية، ليست على شاكلة القناة المحنطة الأداء والشكل الموجودة حاليا، قناة تبث كل ما يجتذب المتلقي، وتُختار موادها بعناية تراعي التعدد الثقافي للمتلقي، وتوصيل ثقافة متطورة غير موجهة لكنها تحمل رسالتها الضمنية، تساعد عقله على التحرر الفكري، تساعده على التساؤل والإبداع، تحفزه على المشاركة والإيجابية والعمل، يقوم على وضع استراتيجيتها مثقفو مصر من كل الأجيال، ويشرفون على منظومتها الإدارية من خلال هيئة استشارية منتقاة من التنويريين. عفوا يظل الحلم هو ماء الحياة.
*هل تتوقعين أن يرتقي السيسي لطموحات المثقفين؟ وما أبرز المطالب التي تريدين تحقيقها ؟
يحدوني أمل، لكن هل نتوقع أن تأخذ الثقافة وقضاياها وقتا وجهدا وميزانية في لحظتنا الراهنة، نعيش في الواقع أزمات عصيبة من محاربة الإرهاب، نواجه عقولا انغلقت على تطرفها وأطماعها وتخلفها الواضح، جماعات تحالفت مع إمبريالية هدفها السيطرة على العالم من خلال تفتيت كل القوى التي يعتد بها، قوى استعمارية تسعى للحفاظ على استغلالها للشعوب الأكثر فقرا وجهلا واحتياجا، نحن نواجه تحديات اقتصادية حقيقية، في ظل كل هذه التحديات الملحة هناك أولويات تحددها السلطة، لكن لو يعلم كل قائد سياسي أو عسكري أهمية الثقافة المنفتحة، القائمة على التعددية الفكرية والعقائدية، لتحول حال وطننا منذ عقود.
ونريد كل مثقف حقيقي بهذا الوطن أن يعلي من قيمة الحرية، حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومات، وتحقيق قدر من الشفافية بين صانع القرار وشعبه، نريد قدرًا لائقًا من الموازنة للتعليم والثقافة المصرية فهما الضمان لنشأة أجيال تستطيع أن تنهض بهذا البلد، نريد تقدير القيمة الثقافية التي تعلي من شأن المبدعين، على سبيل المثال حضور الرئيس وتسليمه جوائز الدولة في شتى مجالاتها للمبدعين في احتفال لائق يعلي من قيمة الثقافة، وجود المفكرين والمبدعين في الجهات الاستشارية لصانعي القرار، حضورهم الإعلامي الذي يتناسب مع الرغبة في توصيل ثقافة حقيقية، وغيرها من فاعليات تضمن حضور الثقافة في النسيج اليومي للمواطن المصري.
*للإخوان جذور في أغلب المناطق العربية.. برأيك هل أثروا أو تأثروا بالثقافات العربية؟ أم ظلوا متقوقين حول أنفسهم؟
أثروا وتأثروا.. واتبعوا سياسة التقية وتحالفوا مع جميع الأعداء: الإنجليز، والملك، وتلقوا الدعم من البلاد المناهضة لسياسة الدولة المصرية في كل المراحل التاريخية، تحالفوا مع الشيطان، حتى وصولهم لمرحلة التمكين عام 2013 م التي فشلوا فيها سريعا، وتعرت جميع أكاذيبهم، لقد كانت لأفكار مؤسس جماعة الإخوان "حسن البنا"، وتنظيرات "سيد قطب" تأثير كبير فى معتقدات أفراد الجماعة المؤسسين ومن انضم إليهم، وتجاوز الأمر هذا النطاق حتى طال المتعاطفين والمتأثرين بتوجهاتهم الفكرية من عموم الشعب، ولم يلق هذا الفكر المتخلف العدواني الساذج مناهضة جادة وعنيدة من المجتمعات وخاصة مثقفيها ونخبها التنويرية، ربما تحاشيًا للتصفيات الجسدية والادعاء بالتكفير التي مارستها تلك التيارات على رموز من المثقفين والسياسيين، فانتشرت شعاراتهم المضللة على نطاق واسع نسبيا لعدة أسباب أولها: انطلقت دعواتهم تحت شعارات دينية في فترات الاحتلال الأجنبي فاستثارت في المنتمين والمتعاطفين حلم العودة إلى أيام ازدهار الثقافة الإسلامية وعصرها الذهبي، ثانيا: تقويض حلم الوحدة العربية واليأس الذي حط على الجميع بعد نكسة 1967، غياب الحريات السياسية والفكرية والإبداعية، غياب التعدد الحزبي والممارسات السياسية الديمقراطية، غياب منظومة تعليمية تعلي من شأن العقل الناقد والمتسائل لا التابع المطيع المنقاد، الناقل السلفي لا المفكر المتجدد التاريخي، الذي يؤمن بالمادية الجدلية والتطور، هذا فضلا عن التأثر بالفكر الوهابي المتصحر المتحجر، شديد المحافظة المؤمن بامتلاكه الحقيقة وحده، كل هذه التيارات الدينية الأصولية المتطرفة والتي تتظاهر بالوسطية تساوي بين تفسيراتهم وتأويلاتهم للدين والدين ذاته، تقدس السلف وترى فيه أبدع ما كان، وهو لو يعلمون وهم كبير، العداء والتكفير لكل فكر مخالف، يمتلكون يقينا وحسما فكريا لا أعرف من أين يأتون به، ما هو هذا العقل الفولاذي فائق القدرات الذي يمتلك هذا اليقين ويوحد بين رؤيته والدين ذاته، في حين أن النص الديني حمال أوجه ؟
التأثير والتأثر ظهر في تجليات كثيرة على الواقع، وتُرجم ثقافيا في المظهر والجوهر، فوجدنا مظاهر من القبح والتعتيم والعنف في المجتمع، تتمثل في الملبس والمأكل والمنتج الفكري والإبداعي وتفشي العنف وظهور عشوائية التفكير والمنظومة القيمية، والعشوائية التي طالت المكان ذاته.
لعلني هنا أتساءل معك:
لماذا سقط الإخوان في أول محك رئيسي حين وقع في أيديهم حكم مصر؟
أتصور لأنهم لم يعرفوا المعني الحقيقي للوطنية، لم يؤمنوا بمصر وطنا، فالمصري مثل الأفغاني مثل القطري مثل التركي، لا فارق بينهم، فهناك مفهوم الأممية لا الوطن، وعدم شعورهم بحركة الزمن، مفهوم التاريخية والتطور الذي يحدث بالعالم من حولهم، وعدم وعيهم بالخصوصية الثقافية المصرية القائمة على التعدد في الهويات، والثراء الناتج عن هذه التمازجات.. وفرض نظام متزمت من الفكر والسلوك، تمسكهم بالحدود التي سقطت جدواها وفلسفتها في العصر الحديث، إلى جانب فقدهم الاحترام للقانون ودولته، وتعاملهم مع مفهوم الدولة بمنطق القبيلة أو العشيرة، والتعالي على الآخرين غير المنتمين إلى جماعاتهم أو المتحالفين معهم من تيارات سلفية متعصبة لا تختلف عنهم كثيرا، بل هم أشد وطأة لو تركوا لتفشي فكرهم الرجعي في المجتمع، وهنا أسجل هذا التحذير الذي ينبغي أن يلتفت إليه الجميع، إن أردنا دولة مدنية ديمقراطية لا تنطلق من الإقصاءات التي يصنعها فهم البعض للدين واحتكار تفسيره له علينا أن ننتبه جيدا لأهداف هذه التيارات التي سترجعنا مرة أخرى لهذا الصراع الأزلي في منطقتنا، الدولة المدنية الديمقراطية في مقابل الدولة الدينية.
فالجماعات الدينية تعاني القبح والعنف وعشوائية الأداء وافتقادهم للحنكة السياسية والدبلوماسية، وعقول تربت ضمن قطيع، جماعة لا تراعي التمييز الفردي والعقل الذي ينتقد ويبدع الجديد ويدافع عن معتقداته، لذا وجدنا فيهم مهنيين دكاترة ومهندسين وأطباء وتجارا، لكننا لم نجد مبدعين، ولا رجالات فكر، ولا أصحاب رؤى اقتصادية حقيقية، كل أحلامنا التي كنا نصبو إليها لا يحققها إلا مجتمع حر، منفتح يراعي الفروق الفردية ويحتفي بالتميز والفرادة والتطور.
*ما تأثير ثورات الربيع العربي فى الثقافة عمومًا وخاصة في دول الثورات؟
أتصور أن التأثير الأكبر هو الترسيخ لقيمة الحرية في نفوس مواطني المنطقة، أيضًا كسر حاجز الخوف، وخاصة عند المصري البسيط، رجل الشارع، وربما خلق ذلك نوعا من الفوضى، وإبراز الأسوأ من الأخلاق، لكنه أظهر أيضًا الأجمل في نفوس شباب الثورة النقي الذي حلم لبلده ومواطنيها بحياة لائقة حرة، تراعى فيها العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان.
وأسجل أيضا تأثيرا سلبيا فهناك بعض الثوريين فقدوا الإيمان بإرادة الشعب، يأسوا من وعيه، أرادوا ثورة دائمة لتحقيق دولة مدنية، القيمة العليا فيها للحريات، إلا أن عدم استقرار الأوضاع في الأوطان جعلت الحس الشعبي البسيط يفضل الأمان، والركون لحالة من الاستقرار الذي يتيح له البحث عن لقمة عيشه ودوران عجلة الاقتصاد، فرفض الشعب أن يظل مناخ الثورة مستمرا لتحقيق كافة المطالب، فيأس الشباب الثوريين من وعي الشعب وإرادته.
وفي تصوري أن التصعيد الإرهابي العنيف من الجماعة، من الضروري مواجهته أمنيا في تلك المرحلة، أما فيما يتعلق بالتصعيد الاحتجاجي المندفع وعدم تقدير الموقف الأمني للدولة من قبل الشباب يجب أن يواجه بالتصعيد الثقافي، الذي ينبغي أن يشتغل على محورين، محور الحوار مع من لم يتورط في العنف والدم، بالحوار مع الشباب والشفافية في مواجهتهم بحقائق الواقع الذي يتطلب مواجهات أمنية قد يقع فيها ظلما للبعض لكنها مواجهات أمنية ضرورية للحفاظ على الدولة وكيانها ذاته، علينا أن نرصد وقائع الظلم والجور تلك ونوجه إليها المسئولين سريعا حرصا على العدل وحقوق الإنسان.
*لماذا اختفى جيل العمالقة في شتي فروع الأدب من رواية وشعر وقصة قصيرة.. وغيرها؟
غادرت الثقافة مفهوم الكاتب الأوحد العملاق، وأمير الشعراء، ومخترع القصة القصيرة، وغيرها من مسميات، إن هي إلا أسماء سميتموها، في كل جيل هناك البارز والأبرز، لكننا دائما نعشق التصنيف، نعشق أفعل التفضيل بصيغتها العيية التي تبعث على التكريس للحقد والتوتر لا المنافسات الذكية.
فالجماعات الدينية تعاني القبح والعنف وعشوائية الأداء وافتقادهم للحنكة السياسية والدبلوماسية، وعقول تربت ضمن قطيع، جماعة لا تراعي التمييز الفردي والعقل الذي ينتقد ويبدع الجديد ويدافع عن معتقداته، لذا وجدنا فيهم مهنيين دكاترة ومهندسين وأطباء وتجارا، لكننا لم نجد مبدعين، ولا رجالات فكر، ولا أصحاب رؤى اقتصادية حقيقية، كل أحلامنا التي كنا نصبو إليها لا يحققها إلا مجتمع حر، منفتح يراعي الفروق الفردية ويحتفي بالتميز والفرادة والتطور.
*ما تأثير ثورات الربيع العربي فى الثقافة عمومًا وخاصة في دول الثورات؟
أتصور أن التأثير الأكبر هو الترسيخ لقيمة الحرية في نفوس مواطني المنطقة، أيضًا كسر حاجز الخوف، وخاصة عند المصري البسيط، رجل الشارع، وربما خلق ذلك نوعا من الفوضى، وإبراز الأسوأ من الأخلاق، لكنه أظهر أيضًا الأجمل في نفوس شباب الثورة النقي الذي حلم لبلده ومواطنيها بحياة لائقة حرة، تراعى فيها العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان.
وأسجل أيضا تأثيرا سلبيا فهناك بعض الثوريين فقدوا الإيمان بإرادة الشعب، يأسوا من وعيه، أرادوا ثورة دائمة لتحقيق دولة مدنية، القيمة العليا فيها للحريات، إلا أن عدم استقرار الأوضاع في الأوطان جعلت الحس الشعبي البسيط يفضل الأمان، والركون لحالة من الاستقرار الذي يتيح له البحث عن لقمة عيشه ودوران عجلة الاقتصاد، فرفض الشعب أن يظل مناخ الثورة مستمرا لتحقيق كافة المطالب، فيأس الشباب الثوريين من وعي الشعب وإرادته.
وفي تصوري أن التصعيد الإرهابي العنيف من الجماعة، من الضروري مواجهته أمنيا في تلك المرحلة، أما فيما يتعلق بالتصعيد الاحتجاجي المندفع وعدم تقدير الموقف الأمني للدولة من قبل الشباب يجب أن يواجه بالتصعيد الثقافي، الذي ينبغي أن يشتغل على محورين، محور الحوار مع من لم يتورط في العنف والدم، بالحوار مع الشباب والشفافية في مواجهتهم بحقائق الواقع الذي يتطلب مواجهات أمنية قد يقع فيها ظلما للبعض لكنها مواجهات أمنية ضرورية للحفاظ على الدولة وكيانها ذاته، علينا أن نرصد وقائع الظلم والجور تلك ونوجه إليها المسئولين سريعا حرصا على العدل وحقوق الإنسان.
*لماذا اختفى جيل العمالقة في شتي فروع الأدب من رواية وشعر وقصة قصيرة.. وغيرها؟
غادرت الثقافة مفهوم الكاتب الأوحد العملاق، وأمير الشعراء، ومخترع القصة القصيرة، وغيرها من مسميات، إن هي إلا أسماء سميتموها، في كل جيل هناك البارز والأبرز، لكننا دائما نعشق التصنيف، نعشق أفعل التفضيل بصيغتها العيية التي تبعث على التكريس للحقد والتوتر لا المنافسات الذكية.
