عندما تؤلم صاحبة الجلالة رعاياها!
يقول الكاتب الصحفي الأمريكي الأشهر بوب وودوارد Bob Woodward "إن جوهر الصحافة ليست مجرد نقل الحدث، بل البحث عن الحقيقة بإنصاف، وحماية الضعفاء من توحش القوة".
لكن المفارقة الصادمة في هذه الأيام، أن صاحبة الجلالة في بعض منصاتها الرقمية قد خلعت رداء النبل والفروسية، ومزقت تاج المهنية لتتحول من حامٍ لحمى المجتمع وضميره اليقظ، إلى جلاد يمارس أقسى درجات التنمر الممنهج على قرائه، فقط بحثًا عن بضع نقرات رخيصة Clicks واعتلاء عرش الترند الزائف، وبدلًا من أن تقود الصحافة السوشيال ميديا وتهذب أظافرها المتسخة، سارت في ركابها وسلمتها دفة القيادة لها.
لقد استيقظنا في الآونة الأخيرة على سيل من الألقاب والأوصاف المسمومة التي صكتها غرف أخبار لا علاقة لها بالأخبار بدم بارد؛ فهذا عنوان يوصم مراهقًا بـ طالب الشبشب، وتلك منصة تنهش صبية مهما كان خطؤها وتطلق عليها فتاة البيرة، وأخرى تمنح سيدة دون حكم قضائي بات لقب الزوجة الخائنة.
ولم يتوقف هذا العبث عند حدود الاغتيال المعنوي، بل تحول حرفيًا إلى شراكة في سفك الدماء؛ ولعل المأساة المروعة التي شهدتها مدينة الصف جنوب الجيزة تصرخ كشاهد حي على توحش هذا المسار؛ حين تحولت قصة اختفاء فتاة قاصر إلى سيرك رقمي نُصبت فيه المشانق ونُهشت سيرتها على المشاع، ليدفع الشحن والوصم المجتمعي شقيقها لإنهاء حياتها فور عودتها بذريعة غسل العار وكلام الناس وفضيحة النت!
هنا لم تعد العناوين مجرد حبر إلكتروني ملوث وفج ومنحط، بل تحولت إلى رصاص غير مرئي يحرض ويدين وينهي أرواحًا بريئة قبل أن يتبين الناس الحقيقة.
إن الأثر النفسي لهذا النمط من التوكسيك ميديا يدمر الاطمئنان النفسي للجمهور، ويخلق حالة عجز وشلل اجتماعي تدفع الضحايا إما إلى الانتحار أو تجعلهم أهدافًا مستباحة للقتل المجتمعي والأسري، وعلى أقل تقدير يصبحون مرمى للوصم والتنمر والاحتقار في مجتمعهم. الكلمة حين تخرج من فوهة منصة إعلامية تصبح سلاحًا فتاكًا لا يرحم، وتحولها من مجرد منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى مادة مصورة أو خبر على منصة معتمدة يعطيها للأسف صك المصداقية.
إن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي تقتضي خطوات حاسمة وتكاتفًا جادًا من جميع المؤسسات ذات الصلة، وقبل كل شئ ضرورة قيام رؤساء التحرير بدورهم المهني في التوجيه والرقابة الذاتية داخل المواقع ذات الصلة.
ولابد من المحاسبة النقابية الصارمة وتفعيل ميثاق الشرف الصحفي بشكل قاطع، والبناء على الموقف الواضح الذي أعلنه نقيب الصحفيين الأستاذ خالد البلشي حين دق ناقوس الخطر في بيانه الحاسم مطالبًا أبناء المهنة بألا يكونوا قضاة قبل القضاة، ومشددًا على أن الصحافة وُجدت لتكون سندًا للضحايا لا جزءًا من معاناتهم..
وهو ما يستوجب توقيع جزاءات رادعة تصل للذين يمارسون التشهير عن عمد، ويصنعون ألقاب التنمر بحق المواطنين، فبيان نقابة الصحفيين كان ممتازًا، ولكنه ليس الأول وعلى أهميته لابد من أن تتبعه اجراءات نقابية حاسمة، تحافظ على هيبة وقيمة صاحبة الجلالة وأيضًا تحمى رعاياها من الجمهور.
إلى جانب تفعيل الرقابة المهنية وضرورة اضطلاع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الجهة المسؤولة عن ضمان وحماية حرية الصحافة، وتنظيم شئون الصحافة والاعلام المطبوعة والرقمية ومحاسبة المنصات التي ترتكب هذه المخالفات الجسيمة وفقًا لنصوص القانون وقواعد النشر.
وضرورة تأهيل غرف الأخبار بالشكل المناسب من تدريب المحررين تدريبًا مهنيًا وأخلاقيًا حقيقيًا، يتجاوز حُمى اللقطة إلى المسؤولية المجتمعية، من خلال ورش وبرامج جادة ومدروسة ومحددة الأهداف والمقاصد. وكذلك ضرورة طرح المقاطعة الشعبية الواعية لهذه المنصات وأن يدرك القارئ أن الضغط على رابط الخبر المتنمر أو مشاركته يجعله شريكًا أصيلًا في جريمة التحريض وإهدار الكرامة الإنسانية.
وربما يكون آن الأوان للاستجابة للمطلب الملح بإدراج منهج التربية الإعلامية في المدارس لتحصين الأجيال الجديدة ضد التضليل والوصم منذ الصغر. إن كرامة الإنسان ليست سلعة تُقايض بعدد المشاهدات والتفاعلات.
أوقفوا مقاصلكم الرقمية؛ فالترند يزول في ساعات، لكن دماء الضحايا وكسرة قلوب ذويهم ستظل لعنة تلاحق كل من شارك في إشعال هذه المحرقة.. فصاحبة الجلالة وُجدت لحماية رعاياها لا لإلآمهم.