فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الموتوسيكلجية!

إذا كانت الحرب مع الكلبجية وضعت أوزارها أو كادت، في ظل تدخلات حكومية وجهود شعبية، فإن هناك حربًا أخرى أشد ضراوة وأكثر عنفًا يواجهها المصريون، وتتطلب تدخلات أكبر، وهي حرب الموتوسيكلجية.

الدراجات النارية، بمختلف أنواعها، تملأ الميادين والشوارع والحارات والأزقَّة؛ حيث لا يلتزم أصحابها بالحد الأدنى من آداب الطريق، ويمنح أصحابُها أنفسَهم الأولوية والحق في المرور، وإلا فإن هناك وابلًا من الشتائم سوف ينطلق في وجهك، أو يصطدم بك ويحدث ما يحدث.


لا يكاد يمر يوم دون أن تسمع أو تشاهد أو ترى رأي العين حادثة بطلُها دراجة نارية. تنطلق تلك الدراجات بلا وعي تهدد حياة الآمنين وتروِّعهم، وهي في ذلك أكثر خطرًا من الكلاب الضالة والمسعورة.


الأرقام أصدق أنباءً من الكلام المرسل؛ حيث يبلغ إجمالي عدد الدراجات النارية المرخصة في مصر نحو 2.92 مليون دراجة نارية وفقًا لآخر الإحصائيات الرسمية المتاحة من جهاز التعبئة العامة والإحصاء وورق الإجبارى للتأمين، وإذا قدَّرنا أن هناك عددًا آخر غير محدود في القرى والأرياف من الدراجات النارية غير المرخصة، فإن الرقم الإجمالي قد يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير.


ولأن الفئة الأكثر استخدامًا للدراجات النارية من عمال الديليفري، فإن أحدث إحصائية صادرة عن وزارة التضامن الاجتماعي تقدرهم بنحو 8 ملايين عامل، وهو رقم كبير له أبعاد ودلالات خطيرة، من بينها: ما يشكلونه بدراجاتهم النارية من خطر حقيقي على حياة المصريين؛ حيث لا يلتزم معظمهم بآداب المرور، ويقفز بعضهم فوق الأرصفة، أو يطير في الاتجاه المعاكس، أو لا يعبأ بإشارات السيارات له، ويعتبر نفسه في سباق أوليمبي، يجب أن يحسمه لمصلحته، وفي مرات كثيرة قد تنتهي تلك المغامرة الآثمة بإصابة أو وفاة قائد الدراجة أو أحد المارة، وقد يصطدم بسيارة فيلحق بها تلفيات كبيرة، لن يشارك في إصلاحها بجنيه واحد؛ (باعتباره غلبان وبياكل عيش والمسامح كريم ويا بخت من قدر وعفى)!


وإذا طوينا صفحة عمال الديليفري واستخدامهم السيئ للدراجات النارية، فإن هناك طائفة أخرى من أصحاب تلك الدراجات الذين لا يختلف سلوكهم العشوائي عن غيرهم. من بين تلك السلوكيات الصادمة أن تجد أسرة كاملة من ستة أفراد (الوالدان وأطفال صغار) قد اعتلت ظَهر دراجة واحدة تطوف بهم الطريق الدائري والشوارع المزدحمة، مع ما يشكله ذلك من خطر حقيقي على ركابها وعلى غيرهم من المارة، دون أن يستوقف قائدها أحد أو يسجل عليه مخالفة!


كما أن الاستخدام السيئ للدراجات النارية في الأفراح على الطرق والمحاور الرئيسة يجسد حالة متقدمة من الفوضى الممنهجة التي لا تجد من يكبح جماحها. غياب الخوذات عن رؤوس قائدي تلك الدراجات يعرضهم أنفسهم قبل غيرهم للمخاطر والإصابات الجسيمة.


قائد الدراجة النارية يحتاج إلى من يُعلمه أن الطريق ليس ملكًا له وحده، وأنه ليس من حقه أن يتعامل وكأن لا أحد سواه في هذا العالم. الدراجة النارية أصبحت أشبه بخزان دم مثقوب، أو لغم محتمل يمكن أن يقتل ويصيب في لحظة أكثر من الألغام الحقيقية في ظل هذه العشوائية المتفاقمة!


قائدو الدراجات النارية أكثر عُرضة للحوادث المميتة بنحو كبير مقارنة بالسيارات، بل قد تصل الخطورة إلى أضعاف متعددة حسب الدراسات العالمية. أغلب الإصابات تكون في الرأس والعمود الفقري والأطراف. أقسام العِظام بالمستشفيات مزدحمة بمصابي حوادث الموتوسيكلات، والحصيلة في تزايد مستمر، بحسب تقارير وروايات متعددة.


بالعودة إلى الأرقام مجددًا، فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء العام الماضي (2025) ارتفاع وفيات حوادث الموتوسيكلات لتسجل 1241 حالة وفاة بنسبة ارتفاع قدرها 38.4% مقارنة بالعام السابق (2024) الذي سجل 897 وفاة.  وفيما حلت الدقهلية في المرتبة الأولى بـ193 حالة وفاة، حلت القاهرة في المرتبة الثانية بـ 109 حالات وفاة، وجاءت الغربية في المرتبة الثالثة بـ 101 حالة وفاة.


ما سبق ذكره من إحصائيات الدراجات النارية لا علاقة له بعدد مركبات "التوك توك" في مصر التي تتجاوز وحدها 5 ملايين مركبة، فيما لا يتجاوز عدد المرخص منها أكثر من 289 ألف توك توك بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. التكاتك في حد ذاتها كابوس آخر!

الزيادة المتصاعدة لحوادث الدراجات النارية خلال السنوات الخمس الأخيرة تؤكد أننا بصدد ظاهرة شديدة الخطورة، بما يستدعي دراسة وطرح حلول واتخاذ إجراءات لحماية عموم المواطنين وقائدي تلك الدراجات أنفسهم من أنفسهم، حلول وإجراءات أبعد من رفع جودة الطرق. معظم حوادث السير يقف وراءها العنصر البشري أولًا وثانيًا وثالثًا! لا ينبغى أن يبقى المواطنون في قبضة الخطر طوال الوقت: إما الكلبجية، وإما الموتوسيكلجية..الحقونا!