مشروع بيت الوطن "خاتم سليمان" المغتربين
لقد كانت الغاية الأساسية من إنشاء مشروع بيت الوطن في 2012 هو ربط المغترب بمصر، وتوفير سكن مناسب له دون تكبد عناء النزول إلى مصر والتعامل مع المكاتب العقارية والمحامين. فالتخصيص يتم بشكل إلكتروني دون أن يتم إضاعة وقت ومال المغترب للنزول إلى مصر.
ولكن للأسف انحرف المشروع عن غايته الأساسية، وأصبح وسيلة للتربح وتسقيع الأراضي والاتجار فيها. سواء من بعض المقيمين في الخارج، أو من التجار الذين احترفوا إصدار إقامات صورية لبعض الأشخاص ليس لهم عمل أو دخل دولاري بالخارج، والحصول على تنازلات منهم بعد التخصيص.
ويؤخذ على وزارة الإسكان أنها آثرت الصمت على الأكاذيب والمزاعم التي يروج لها بعض التجار والسماسرة ومحترفي تجارة الأراضي في وسائل الإعلام، وادعاء "الصعبانيات والمظلمة" بأنهم ضحايا ظلم هيئة المجتمعات، وتسويق أنفسهم كمادة خصبة في برامج التوك شو، مستغلين عدم إلمام معدي هذه البرامج ومذيعيها بحقيقة الأمر وحقيقة الأشخاص.
أول هذه المزاعم والأكاذيب هي الادعاء بأنهم قاموا بالتحويل ثقة في الدولة قبل نزول كراسة الشروط. وهذا الكلام فيه تدليس وغش. ففي المراحل السابقة كان التجار يقومون بتحويل أرصدة ضخمة قبل بدء المرحلة بشكل مخالف لتجنب مشاكل وعوائق تحويل المبالغ الكبيرة يوم فتح المرحلة، مثل الحد الأقصى للتحويل الإلكتروني. والاستفادة من مميزات تحويل مبلغ صغير على سبيل الاستكمال، والذي يسمى الحوالة التنشيطية، والتي يتم الترتيب على أساسها.
وكان المتعارف عليه أن الحوالات الصغيرة تصل أسرع لعدم خضوعها للمراجعة الدقيقة في دول الإقامة، مما يسهل وصولها بسرعة، مما يرفع احتمالية حصول المتقدم على ترتيب متقدم في أولوية الوصول، ليتمكن من حجز أميز الأراضي.
تزامن فتح المرحلة الحادية عشر مع قدوم المهندسة راندة المنشاوي وزيرة للإسكان ونائبها الدكتور وليد عباس. فتزايدت الطلبات والاستغاثات والرجاءات بالموافقة على تحويل الأرصدة للجميع، عكس ما كان يتم في السابق، حيث كانت هناك فئة قليلة تجازف دون موافقة الهيئة وتقوم بالتحويل بشكل مخالف، وتحصل على أميز الأراضي.
وبناء على هذه الاستغاثات وافقت الوزيرة على قبول التحويل على سبيل المحفظة المالية الدولارية للاستفادة منها في الحجز أو الأقساط أو التحويل لأقساط الآخرين. وكانت هذه الموافقة نقطة تحسب للإدارة الجديدة ومحل إشادة من الجميع، لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع. لذلك فالقول إن هيئة المجتمعات هي من طلبت التحويل قبل المرحلة هو كذب بواح وتضليل ورمي الناس بالباطل.
ثاني هذه الأكاذيب هي ترديد نغمة “نحن نريد أرضا لأولادنا لإقامة منزل في القاهرة الجديدة والشيخ زايد ودمياط الجديدة والمنصورة الجديدة”! محددين مدنًا بعينها لا يوجد بينها أي رابطة جغرافية أو مكانية أو خدمية. متجاهلين مدن الجمهورية الأخرى.
وفي الحقيقة أن سبب هذا المطلب الذي يتم يتردد على وسائل التواصل وفي الفضائيات، هو أن هذه المدن رائجة في البيع، ويتراوح الأوفر بعد التخصيص من 8 إلى 15 مليون جنيه. وللأسف لم يلتفت أحد من السادة الإعلاميين إلى هذا المطلب الغريب، وهو طلب نزول أراضي في هذه المدن الأربعة فقط، وتجاهل باقي القطر المصري. وكأن وزارة الإسكان تعمل لأربع مدن فقط، وأنها تعمل لصالح تجار الأراضي.
يؤخذ على وزارة الإسكان أنها لم تفند هذه الأكاذيب، رغم أن لديها من قواعد البيانات ما تكشف به تحايل هؤلاء، وحصولهم وأفراد أسرهم على العديد من قطع الأراضي في المراحل السابقة، والتصرف فيها بالبيع ومعاودة التقدم مرة أخرى لجني ملايين الجنيهات دون تعب.
وسجلات الشهر العقاري والتوكيلات بالبيع المقدمة في أجهزة المدن تؤيد هذا الكلام. ولكن سكوت وزارة الإسكان جعل هؤلاء التجار يتجرأون ويرددون الأكاذيب، ويبترون الحقائق، ويروجون إفكًا بأن وزارة الإسكان هي وزارة عاقة للمغتربين.
ببساطة كان يمكن عمل إحصاء بأعداد المتقدمين، والدول المقيمين بها، والمتقدمين المستجدين وغير المستجدين، وعدد سوابق التخصيص. وكيف أن دخل هؤلاء المغتربين لا يتناسب مع حجم التخصيصات السنوي بأسماء أفراد أسرهم وأقاربهم.
بل إن بعضهم لا يخرج من مصر، وليس له عمل في الخارج، ويمكن كشفه بسهولة بشهادة التحركات. ويعتمد على تدوير الأموال وتدبير العملة الصعبة من السوق السوداء وتهريبها والتقدم بها مرة أخرى للحصول على أراضٍ جديدة.
بعض هؤلاء أصابه السعار والجنون، بسبب توقف حنفية الملايين التي كان يجنيها كل سنة، حتى إن بعضهم ترك وظيفته وعمله وتفرغ للشراء والبيع والاحتيال وتدوير الدولار بين مصر والخارج، لأنه وجد أن مكاسب هذا المشروع تتجاوز راتب أعلى سفير لأغنى دولة في العالم!
وأصبح هذا المشروع بمثابة خاتم سليمان ومعينًا لا ينضب من الملايين. ويمكن لأي جهة ببساطة أن تراجع الفرق بين تاريخ تحرير توكيلات البيع في القنصليات أو في مصر، ومقارنتها بتاريخ التخصيص، ستجد أن بعضها في نفس يوم التخصيص أو بفارق يوم أو أسبوع.
وللأسف بدلًا من أن يشد الإعلام على يد الإدارة الجديدة في وزارة الإسكان بقيادة الوزيرة راندة المنشاوي، ونائبها الدكتور مهندس وليد عباس - والمشهود لهما بالتفاني والإخلاص في العمل، آثر الإعلام ركوب هذا الترند الباطل الظالم بمعرفة مجموعة من الانتهازيين الذين يستحقون المحاسبة بمعرفة الجهات الرقابية.